الشيعة والسنة ضحية عقلية الاستبعاد

كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 11 شباط 2006 الساعة: 15:33 م

الصراع الطائفي بين السنة والشيعة في أفغانستان وباكستان هو حلقة في سلسلة تبدأ من بغداد. وفي ظل الاصطفاف الطائفي الذي يتورط فيه كثير من النخب، يفترض بالعقلاء أن يحاولوا نزع فتيل الاقتتال، وصولا إلى شراكة بين الطوائف في ظل المواطنة. والمحاولة الصعبة تبدأ من تشخيص الحال المعقدة، ومن ثم تبدأ جرعات العلاج القاسي والمتدرج؛ فما أفسدته القرون لا يحل في شهور ولا سنوات، لكن الحفاظ على أرواح الأبرياء غاية تسمو على أي مسألة سياسية أو فكرية او دينية؛ فحفظ الأبدان مقدم على حفظ الأديان، كما في القاعدة الأصولية.

بؤرة الأزمة في بغداد؛ فصديقي السني أبو حيدر زوجه شيعية، وهو يحتال على السنة والشيعة معا، إذ هو عمر عند السنة وأبو حيدر عند الشيعة! ضاقت به بغداد، مع أنه أحسن حالا من غيره. وهو يصف ما يجري بأنه حرب طائفية باردة وساخنة! فالتفجيرات التي تتبناها القاعدة عادة تعبر عن الشق الساخن من الحرب، وهي في قلب الاهتمام الإعلامي، بحيث بدا الشيعة وكأنهم الضحايا من دون غيرهم، وما عجز عنه صدام أتمّته القاعدة. وفي المقابل، لا تحظى الحرب الباردة بالاهتمام الإعلامي الكافي، وهي حرب تخوضها قوى شيعية بعيدا عن الإعلام، بهدف ترسيم الفواصل بين المناطق الشيعية والسنية وصولا إلى الهيمنة أو التقسيم!

بغداد الرصافة يراد لها أن تكون شيعية خالصة، من خلال تهجير جماعي (ترانسفير) سري. وتبدأ العملية بالدهم والتفتيش بحثا عن الإرهابيين، ويعتقل معيل الأسرة الذي لا علاقة له بشيء، لتبدأ الوساطات. والمساومة تقتصر على الرحيل من المنطقة! يعرض البيت للبيع، والمشترون جاهزون. ويفرج عن المعيل أو يبقى مقابل الفدية التي تدفع لرجال الأمن السري. أما إن تعنتت العائلة وصمدت، فتبدأ مرحلة التصفية والتنكيل، ومن لا يرحل إلى مناطق السنة يرحل إلى المعتقلات الرهيبة التي شاع ذكرها في العالمين.

أبو حيدر اختار الرحيل من العراق كله، لكن غيره لا إمكانات لديهم تساعدهم على الهجرة والرحيل. ويبقى في العنف الطائفي متنفسا للقهر والأحقاد.

الحرب الباردة ليست مؤامرة فارسية، بل هي امتداد لحرب تمتد قرونا؛ فالشيعة دفعوا ثمن الصراع الصفوي-العثماني، وجاء نظام البعث ليدفّعهم الثمن الأغلى. وبعيدا عن التحليل السياسي، يشعر أكثر الشيعة أنهم ضحايا نظام سني من حيث المضمون، ولو رفع شعارات العلمانية. ومهما أخطأت أحزابهم وقياداتهم، فلا يقبل أخلاقيا استباحة طائفة بالشكل الذي تم عقب حرب الخليج الثانية.

الخلاف سياسي بالدرجة الأولى، وقد انساق كثير من رجال الدين لإعطائه صبغة دينية. السنة لا يقبلون بقتل الحسين، وهو بنظرهم سبط النبي عليه السلام . ولم يكن الخلاف بين الأمويين وآل البيت فقهيا، كان سياسيا: من يحكم لا من يعبد. أما الخلاف الفقهي والعقائدي فقد جاء متأخرا كثيرا. والمشكلة أن الوعي الشعبي الشيعي يحمّل السنة مسؤولية مقتل الحسين وكأنه قتل للتو! وما ينطبق على الأمويين ينطبق على نظام البعث؛ فصدام لا يشاور احدا في قرراته، ولا يتحمل السنّة وزر مرحلته التي حسبت عليهم.

المشكلة في العقلية التي تتعامل مع الأقليات بمنطق الاستقواء، والشيعة يعلمون جيدا أن وضعهم في العراق وباكستان وأفغانستان ودول الخليج أفضل بكثير من وضع السنة في إيران، الذين لا يأخذون حق اليهود في نظام الجمهورية الإسلامية. ونظام صدام ضيّق في بناء الحسينيات في بغداد، لكن طهران كلها لا يوجد فيها مسجد للسنة!

في سبيل التشخيص ثمة صور أبشع لدى الطرفين، والعلاج يبدأ بالاعتراف بحق الاختلاف. فمن حق الشيعة أن يظلوا شيعة، ومن حق السنة أن يظلوا سنة، وليس من حق أي أكثرية، سياسية كانت أم أقوامية (إثنية) أم طائفية، أن تستبعد أو تستثني أي أقلية. وبدهية كهذه أبعد ما تكون عن التطبيق، وما يجري استقواء واستبعاد متبادل تدفع ثمنه دماء بريئة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر