حبيبتي عمَّان…

كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 24 كانون الأول 2006 الساعة: 09:38 ص

حتى من ولد أجداده في عمان لا يقول أنه منها، يقدم انتماءه العشائري أو الأقوامي (الإثني) عليها. فالعدوان وفروعهم أو الدعجة أو بني صخر أو الشراكسة أو الشيشان وغيرهم لا يقرون بواقع الجغرافيا التي ضمتهم. فالعدواني عدواني بمعزل عن مكان تنقله وترحاله والشركسي كذلك. أما من انتسب لجغرافيا غيرها فيقدمها على عمان، فالسلطي الذي ورث أرض عمان عن أجداده يقول لك أنه سلطي والطفيلي الذي أفردت له عمان حي الطفايلة يظل طفيليا. والخلايلة والنوابلسة والشوام وغيرهم من تجار عمان لا يستبدلون مدنهم العريقة بالمدينة "الطارئة".

العلاقة مع عمان، وكأنها زواج سري ينكر بالعلن خوفا من الزوجة الأولى، وفي الواقع تظل الزوجة السرية هي الأصل لا الأولى المهجورة. المدن المهجورة خصصت للمقابر، تقام فيها مراسم الدفن والعزاء. يعيشون في عمان ويدفنون في مدنهم الأصلية. مع أن في مقبرة سحاب متسعا للجميع. أما الأعراس فتخصصت بها قاعات عمان من فنادق النجوم الخمس إلى القاعات الشعبية.

ميزة عمان أنها مثل أميركا مدينة مهاجرين، أول أحيائها "المهاجرين"، وتمددها وتوسعها ارتبط بالهجرة بسبب الخضات السياسية العنيفة التي قذفت عليها ملايين البشر. فأطعمتهم من جوع وآمنتهم من خوف. فكم من طريد غدا وزيرا أو تاجرا مرموقا، أكثر من أتوها كانوا فقراء مسحوقين وقلة أتوا بمال وفير. وخلال أيام يغدو المهاجر عمانيا مستأجرا في حي شعبي أم ملاكا في أرقى أحيائها.

هذه قوة عمان، ليس فيها عصبية المدن. فالفلاح في قرى فلسطين أو سورية يظل فلاحا ولو سكن المدن من العصر الجليدي الأول، طرفة تستحق الإعجاب العراقيون يطلقون على الرابية "الجادرية"، أحد أحياء بغداد الراقية، هؤلاء العراقيون عمانيون مثل الطفايلة والنوابلسة، ربما ينظر للهجرة العراقية (كما في تقرير الهيومان رايس ووتش) على أنها كارثة إنسانية، وجزء منها كارثة، لكنها في المجمل فيها فوائد الهجرات.

فالعراقيوان ليسوا عمالة "رخيصة"، فيهم المهندس والطبيب وأستاذ الجامعة ورجل الأعمال النظيف ورجل الأعمال المحتال، ذلك كله يسهم في حراك اجتماعي واقتصادي له مردود إيجابي. تماما كما له أعراض سلبية. المدن الحية هي المدن المفتوحة، بيروت سلمت نفسها للحريري وهو ابن صيدا، ولم يأت لها غازيا بل هو من أحيا قلبها الذي دمرته الحرب.

عمان مدينة حية وأكثر من ينكرونها لا يرضون لها بديلا. أعرف كثيرين رفضوا عروضا مغرية في أميركا وأوروبا والخليج لأنهم يحبونها، ليس في عمان صخب القاهرة وعراقتها ولا إبهار دبي وحداثتها، لكن فيها ما لا تراه في أيهما، هي في النصف بين القاهرة ودبي. فيها الجامع الحسيني وكنافة حبيبة وفول هاشم ومقهى الجامعة العربية (قبل التجديد) والمدرج الروماني، فيها جبل اللويبدة بجامع الشريعة وكنيسة البشارات ودارة الفنون (أول استيطان سلطي في عمان؟) وسي تاون ومكة مول وبلوفيج وجسر عبدون!

التحدي أن نحافظ على روح عمان وهوية عمان، فمدينة المهاجرين لا تعني تدمير الأطراف في الجنوب والشمال، ولا تضييع فلسطين في الغرب، ولا تقسيم العراق في الشرق. عمان هي الواحة الآمنة في صحراء يكثر فيها الغزاة وقطاع الطرق. عمان ليست مدينة مستلبة بلا لون ولا رائحة. عمان عربية الوجه واليد واللسان، إن قالوا يوما "حبيبتي روما" نقول: "حبيبتي عمان".

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : صورة وتصور | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

10 تعليق على “حبيبتي عمَّان…”

  1. Salema famak wa salemat amman

  2. Great post.

  3. Nice ….a very insightful view

  4. The post is great!
    Good Job!

  5. أستاذنا الكبير ياسر أبو هلالة :

    للمرة المئة ربّما أثني بخجل شديد على إبداع قلمك ؛ خوفاً من أن تعتقد أني أقيّمك ، فليس التلميذ من يقيّم الأستاذ…

    عمّان غالية علينا جميعاً .. في هوائها نكهة غريبة تشعر بها لحظة أن تطأ قدماك أرضها .. لحجر بيوتها الأبيض رونق خاصّ لا يضاهيه طراز معماريّ آخر.. لأشجارها و سهولها و وديانها و أهلها الطيّبين الشهامى ..

    لا ينتقص من عمّان أنّها مدينة تضمّ المهاجرين .. فهي صدر حنون لكلّ من سافرت أمّه .. ماتت أو اختطفت …

    عندما أحلم في لحظات بأني أُقبّل تراب فلسطين ، أجدني قد انحنيت على تراب الأردن و قبّلته ، ليس لأنّي أراها وطناً بديلاً ، لا .. و لكن لأنّ ما يفصلها عن بلدي الحقيقيّ هو نهر صغير ، كان سيكون نهر حبّ و عشق لو لم يحتلّ العذراء فلسطين و يغتصبها حثالة البشريّة اليهود ..

    الناس عادة يخلطون ما بين الوطنيّة و العنصريّة لا سمح الله .. عندما يتذكّر أحدنا أصله ، فلأنّه لا يريد من هويّته أن تضيع ، و سط محاولات بهائم اليهود أن يذوّبوا الهوية الفلسطينيّة بالأردنيّة .. و لكن تذكّر الهويّة و الإلحاح في عرضها ، لا يلغي حبّ عمّان و أخواتها المفرق و السلط و معان و إربد و لو حاولت كلّ قوى الدنيا إلغاء هذا الحبّ ..

    أؤمن لا بل أتشبّث لآخر نفس مكتوب لي في هذه الحياة على ضرورة عرض الهويّة الفلسطينيّة في كلّ المحافل و الأماكن .. الأزمان .. اللفحة الفلسطينيّة .. الثوب الفلسطينيّ .. القمباز الفلسطينيّ .. حنظلة .. خبز التنّور .. صور و مجسّمات الأقصى و الصخرة … إلى جانب حبّ عمّان في القلب و على اللسان و في العين …

    و دمت لنا يا أبو علي …

  6. wow! perfectly said …

  7. همام الطفيلي قال:

    أقسم بأن نظرتك لهذه المدينة هي النظرة العاقلة التي تصدر من الاشخاص (الفهمانين) لأنك عبرت عما في قلبي والذي لا أستطيع أن أصفه كلاما ،، لقد وصفت الحقيقة ؛ والله يا ياسر ندر أمثالك … همام الطفيلي

  8. شوف مين بحكي

  9. الى رشا عبدالله سلامة تتمسكي بالهوية الوطنية الفلسطينية و ترفضي تذويبها بالأردنية …….ماذا عن تذويب الهوية الوطنية الأردنية بالفلسطينية من خلال البعد الديموغرافي و جعل الأردن مجرد وطن بديل يحكم اصحابها اهل الوطن الأصيل ……ماذا عن حقوق ابناء العشائر الوطنية و السياسية التي يتم التطاول عليها دائما بحجة ان قانون الإنتخاب غير منطقي و غير عادل ….اذا كان غالبية الفلسطينيين متمسكين بهويتهم الفلسطينية لماذا المبالغة بالمطالبة بالتمثيل السياسي بقانون يحصل لهم اكثر من النصف اليست هذة عنصرية ضد الأردنييين من اصل أردني اليست الوطنية لفلسطين تتعارض مع الرغبة في السيطرة السياسية على الأردن و تحويل الأردن لبلد معدومة الهوية

  10. شكراً على المقال الرائع استاذ ياسر

    مدونة جميلة



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر