صدام في المشهد الأخير

كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 29 كانون الأول 2006 الساعة: 10:36 ص

ياسر أبو هلالة

    التاريخ لا يتسع للتفاصيل ، زعماء المنطقة بالمجل سيكتفون بأسطر قليلة . والأمور بخواتيمها  سيقال أن الأميركيين احتلوا العراق وأعدموا صدام حسين  مثله مثل أكثر من مليون عراقي كان للأميركيين دور مباشر في قتلهم حصارا وتجويعا أم قصفا وتدميرا . كل الأكاذيب التي رافقت احتلال العراق ستثير سخرية المؤرخين ، وخصوصا بناء دولة ديموقراطية تحترم حقوق الإنسان .

          لن يذكر التاريخ لصدام أنه كان حاكما ديموقراطيا ، سيرصد استبداده  ودمويته ، وسيسجل له أنه حافظ على وحدة بلده واستقلاله  لم يسلمه للأميركي ولا للأيراني . ذلك كله في التاريخ يغدو تفاصيل . رواية الترايخ ليست عادلة . فإن كانت العلاقات الإنسانية تعتمد على الانطباع الأول  الناتج عن المشهد الأول فإن التاريخ يعتمد  على المشهد الأخير الذي يلخص التجربة البشرية كلها .

            بشكل بدائي عبر خصوم صدام ، وخصوصا المالكي ، عن تعطشهم لرؤوية صدام مشنوقا . أذكاهم كان جلال طلباني الذي قال أنه لأسباب مبدئية  لا يوقع على عقوبة الإعدام أما عادل عبدالمهدي فحماسته تجعلك تشك في أنه ممن تطوعوا لتنفيذ الحكم بأيديهم . بدائية  المالكي وعبدالمهدي  فجة ويمكن  تفهمها  بخلاف الرئيس الأميركي جورج بوش الذي يفترض أنه ينتمي لبيئة أكثر تحضرا .

        في الواقع    تتشابه البيئة  والعقلية لدى الطرفين ، فأميركا من أكثر الدول تنفيذا لعقوبة الإعدام .  وهي عقوبة تنفذ حتى بمن نفذ جريمة القتل وهو قاصر عن السن القانونية .  وبوش وفي  لتراث الكاوبوي  في نصب المشانق ، وقاعدته الانتخابية  ستعتبر أن جثة صدام  واحدة من منجزاته الكبيرة في ولايته الثانية . وهو سيستثمر  الجثة بالحد الأقصى .  بعد أن وصل عدد الجثث الأميركية إلى ثلاثة آلاف .

     ينقسم العراقيون على موت صدام أكثر من انقسامهم عليه في حياته ، السنة سيعتبرون إعدامه استهدافا جديدا لهم ، فما ارتكبته وزارة الداخلية من جرائم بحقهم لا يقارن بما جرى في الدجيل وغيرها ، وستتعزز لديهم عقلية الإنتقام . في المقابل سيظهر الأكراد والشيعة شماته وبهجة  تعزز مشاعر الغضب .

        لو أعدم صدام والدك أو ابنك  ماذا سيكون موقفك ؟ يرد على منتقدي الحكم وتنفيذه . الجواب إن  ما يرضي الغرائز هو أن أنفذ الحكم بيدي  لكن ما يرضي  العقل والضمير هو التسامي والارتقاء  عن مشاعر الانتقام .  شتان بين نلسون مانديلا   الذي أطاح بنظام الفصل العنصري  في جنوب أفريقيا  وشرع العنان لقيم العفو والصفح   وبين حاكمي بغداد الذين حولوا الناس إلى وحوش تنهش بعضها بعضا .  مانديلا  عملاق  في تاريخ البشر أما بوش وما تناسل  عنه من حكومات  فنكرات وأقزام .

     عربيا ، جرح جديد في الكرامة . حاكم عربي يعدمه الأميركيون . ولا عاصمة عربية  يصدر عنها موقف  ، سيقال شأن عراقي داخلي  مع أنه قرار أميركي مئة في المئة . المواطن العربي  يتمنى لو  يكون  خصوم صدام مكانه في القفص وعلى حبل المشنقة . مشاعر الانتقام  ستعمم  ستنسى كل مساوئ صدام  سترفع صوره بوصفه شهيدا . ضحى بعرشه وبروحه في سبيل أمته . في رسالته الوداعية قدم صورة مختلفة عن نفسه عندما  حذر أنصاره من الحقد الذي يعمي البصر والبصيرة  ويغلق منافذ الفكر .

    إنه المشهد الأخير  لصدام حسين : جثة بلا قبر  حدث عراقي ممل يتكرر على مدار الساعة  مع فارق بسيط الجثة ليست مجهولة الهوية .

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

12 تعليق على “صدام في المشهد الأخير”

  1. كيف سيصبح العالم على موت صدام، إن تم تنفيذ الإعدام به غداً؟
    على عجل كتبتُ ذاكرتي عنه في مدونتي.. لا أحمل تجاهه الآن أية مشاعر.. حياد تام.. بياض تام.. و مع تأمل في تاريخ يشبه (البرامكة) يعيد نفسه!

  2. شكرا لك للمقال الرائع في مناسبة حزينة ..

  3. عند اعدم صدام صاح اعدائه ..مقتدى..مقتدى..مقتدى..كان افضل لهم لو قالوا

    العراق..العراق..العراق..

    بهذا القول بينوا انهم ليسوا وطنيين ..بهذا القول جعلوا مني طائفيا من اليوم فصاعدا

    انا المجهول..

  4. أشكرك أخي ياسر جزيل الشكر

    دائما أستمتعا بمقالاتك وتقاريرك

  5. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بمناسبة عيد الأضحى المبارك وتزامنه مع حلول السنة الميلادية الجديدة

    نتقدم لكم ولكل الأهل والأحباب بأحر التهاني وأطيب الأمنيات

    وفقكم الله ورعاكم ولكم مني كل الود

    سنة سعيدة وكل عام وأنتم بألف خير

  6. Reasons why the execution of Saddam is wrong:

    1) most Arab leaders deserve the same fate and have slaughtered untold number of political dissidents and innoncent. Yet those brutal regimes considered friendly to US are praised and protected.

    2) If Saddam was overthrown by an Iraqi revolt and later executed after a fair trail, then it’s the decision of the Iraqi people. Iraq is an American-occupied territory and those who caught saddam and those who hanged him are American invasion soldiers.

    3) The Americans and the British killed thousands of innocent Arabs directy or indirectly, by providing bombs to Israel, in Iraq, Lebanon, and Palestine. Why Saddam? As a matter of fact, the Americans and the Brits killed far more innocents than al-Qaeda can or could kill.

    4) Saddam knew too much for the US to let go of him. A life sentence would have given Saddam plenty of time to spill the beans. The Americans refused to turn Saddam over to an international court, like Slobedan, for fear he will not be killed. A trial in a US-occupied Iraq by Saddam’s political foes will ensure his execution and all the dirty secrets will die with him.

    5) the demeaning visuals associated with the capture of Saddam and his execution, when contrasted with the respectful treatment Slobo the Rapis received, send a disturbing message about the depth of the American hatred for Arabs. Not even Nazi or Imperial Japanese war criminals who committed far more heinous atrocities received this racist treatment.

    6) the choice of the first day of Sunni holiday, with US approval, was designed to fan the flames of sectarian hatred, a mission the US and Brits have committed themselves to part of a larger regional strategy to divide and conquer.

  7. كل عام وأنت بخير، وتقبل الله منا ومنك الطاعات….

  8. الأستاذ الفاضل : ياسر أبو هلالة

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    يشرف موقع ( هنا نلتقى) بيت المدون العربى

    أن يبلغكم اختياركم ومدونتكم العامرة كأصدقاء للموقع

    ويسعدنا زيارتكم

    موقع هنا نلتقى ( مجموعة من أفضل المدونين العرب - أفضل المقالات _ أحدث أخبار المدونين والتدوين _ دليل شامل لمجموعة من أفضل المدونات )

    فى انتظار زيارتكم

    أخوك

    محمد الجرايحى

    مدير الموقع

    http://mmm1962.jeeran.com/200/index.html

  9. أرجو أن تجد في مقالي الأخير ” عجائب الأيام بين نهاية النعمان ونهاية صدام”

    مع شكري وتقديري لأخ يار أبو هلالة

  10. تحياتي لك أخي ياسر

    هذا المسرح مشاهده وفصوله كثيرة

    لكن ما يميزها أنها تدور في فلك واحد

    والمدهش أن الجميع سينزلون عن خشبة المسرح

    وسيجري تبادل للأدوار

    أمر محتوم من رب العالمين

    وبالله التوفيق

  11. السلام عليكم

    بالنسبة لموضوع صدام ، فعلى الرغم من كونه طاغية بامتياز ، إلاّ أنّ طيب نواياه ، على ما نرتأي ، يشفع له .

    مشكلته رحمه الله انفعاليّته التي جرّته لحروب و كوارث كان بمقدوره أن ينأى بنفسه و بلاده عنها .

    ما لا يحتمل الاختلاف هو أنّ السحر قد انقلب على الساحر ؛ ذلك أنّ الطريقة التي تصرف بها قتلته شلّ الله أياديهم ، كانت أقرب لطريقة ميليشيات و ليس رجال دولة . كما أنّ الطروحات العنصرية التي نادى بها معدميه ، ساهمت في تأجيج العنصرية و القتال الطائفي كما ساهمت بشكل أكبر في جعل صدام حسين رمزاً و بطلاً . فبذلك انقلبت المعادلة عليهم و خسر هؤلاء للأبد .

  12. حفظك الله يا ياسر و عيدك مبارك سعيد

    قول الحق في الزمن العربي الرديئ ميزة يزدان بها الرجال.

    رغم ان النفاق والتزلف ملا الاذان من كل الجهات

    فهذا يتغنى بدمقراطيه امريكا

    وذاك يتغزل بجهاد الشيعة

    و اهل الحق قليلون والصادحون به اقل منهم

    ومن يفهمون الحق و يميزونه اقل من ذالك

    جزاكم الله خيرا و حفك و امثالك

    يحيى ولد سيدي يحيى



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر