عن سامراء والسامرائية…
كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 25 شباط 2006 الساعة: 17:00 م
تهنئة بالعام الهجري الجديد هي آخر ما وصلني من الزميلة الشهيدة أطوار بهجت السامرائي: "رشة عطر محمدية، وسلة حلوى فاطمية، وعقد لؤلؤ هدية للعام الهجري الجديد". رددت بالطريقة التقليدية، متمنيا لها عاما تتحقق فيه الأماني؛ فطاحونة الحياة تجعلنا قساة، وتحولنا إلى أجهزة بلا أحاسيس، نتعامل مع بعضنا بشكل يشبه الأجهزة التي نحملها! بيد أن الموت يذكرنا كم نحن ضعاف، وكم نحن بشر ولسنا أجهزة تتراسل وفق تقنيات الـ"جي إس إم".
كم هو مؤلم أن يصلك خبر استشهاد زميلك عاجلا على هاتفك! نائم بعيدا في الرباط أصحو على رنة الرسائل التي يندر أن تأتي بالأخبار السارة. يعود شريط الذكريات، وتتمنى لو تعود عقارب الساعة إلى الوراء لتعبر لكل زميل رحل إلى الدار الآخرة كم كان يعني لك.
أول ما شاهدت أطوار في مكتب الجزيرة ببغداد بعد السقوط كانت ضمن الطاقم الجديد الذي يعمل في ظروف غياب الدولة. كان قد رشحها الزميل تيسير علوني، فك الله أسره، والذي كتبت أطوار في يوم اعتقاله الأخير عن بشارته لها بالتعيين في "الجزيرة"، وكأن من يعمل في هذه المهنة منذور للسجن أو الموت!
قدرة أطوار على التحدي، وجلدها على المنافسة وإثبات الذات، قادها إلى السجن الأميركي في المطار، وتهمتها جاهزة: كانت تعلم بعمليات المقاومة قبل وقوعها، ووصلت إلى مكان الانفجار قبل الأميركيين، وأخفت الأشرطة عنهم؛ جرأة تليق بصحافي. التوقيف عند حاجز أميركي كفيل بانهيار عتاة الرجال، فكيف بسجن المطار؟ شاهدتها بعد السجن وكانت تتحدث عن مواقف طريفة مرت بها وبالعاملين الذين اعتقلوا معها، من دون أن تبيع الموقف باعتباره بطولة فائقة! مع أن أغلب من يعمل في العراق يتحلى ضرورة بهذه الصفة.
انتقل الحكم ولو شكليا إلى العراقيين، لكن الحاكمين الجدد كانوا أشد مع الجزيرة من الأميركيين؛ فأغلقوا المكتب ولا يزال مغلقا، وتشتت الزملاء بين الدوحة وبغداد، ولم يرحمهم أحد؛ لا الأميركيون، ولا الحاكمون الجدد، ولا المسلحون، فظلوا الهدف الأسهل! في آخر مرة قابلت أطوار في عمان كنا أنا وهي ومحامي الجزيرة ومحسن الحكيم من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي كان يرافق عمار الحكيم في زيارته إلى عمان، كان الحوار صريحا بعيدا عن الكاميرات، ولم يغب عن أطوار الأمل بنجاح جهود وساطتها في إعادة فتح المكتب. ربما رغبت في تجاهل التعقيدات السياسية والطائفية لصالح فسحة الأمل. خرجت من بغداد مباشرة أكثر من مرة بوصفها صحافية، لكن أملها بفتح المكتب ذوى بفعل التداعيات التي رافقت الانتخابات، فاختارت الانتقال إلى الزميلة "العربية".
بتفجير قبة الإمامين الهادي والعسكري في سامراء وجدت السامرائية فرصة للقيام بواجبها تجاه بلدتها وبلدها، لكن الموت كان أسرع؛ غدت رهينة فشهيدة. هل قاومت وعاندت كعادتها فعاجلها الرصاص؟ هل حاولت الهرب؟ تفاصيل في علم الغيب، لكن المؤكد أنها كانت أشجع من قاتليها أيا كانوا، فهي قبل كل شيء إمرأة ولو كانت صحافية، ولا دين ولا ثقافة يبيحان استحلال دمها، وعشائريا دية المرأة تعادل دية أربعة رجال، فما هي ثقافة هؤلاء القتلة؟
هل من فجروا القبة هم من قتلوا أطوار؟ ربما، إذ إن القاسم المشترك غياب المحرمات؛ فالقبة ظلت وديعة الشيعة عند سنة سامراء منذ قرون، وحتى في ذروة الصراع الصفوي-العثماني لم تمس بسوء. وبعدها، وعندما أحكمت "القاعدة" سيطرتها على سامراء لم تفجرها، فمن فجرها؟ ربما نجد تشابها مع تفجير تماثيل بوذا في أفغانستان، لكن علينا أن لا ننسى أن طالبان والقاعدة لم يمسا قبة الإمام علي بسوء يوم دخلوا مزار شريف فاتحين، فهل ما يشهده العراق مرحلة ما بعد القاعدة وطالبان؟ ليس مستبعدا. أم أن أفعالا غير قابلة للتفسير تجعل نظرية المؤامرة مقنعة؟!
تغيب قبة سامراء الذهبية، ويفقد زائرو "سر من رأى" وميضها الذي يكون أول ما يلمحه من بعيد، وتغيب أطوار بهجت بوميضها على الشاشة وبحضورها بعيدا عنها، ولا شيء في الأفق غير الخراب والدمار والاحتلال والفتنة، لكن علها تجد في الدار الباقية رحمة ونعيما غاب عن دنياها الفانية، فمن في السماء أرحم بأهل الأرض من أنفسهم. ففي واسع رحمته فرج من ضيق الأرض وضنكها…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























