على شواطئ طنجة..

كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 27 شباط 2006 الساعة: 15:52 م

منذ خمسة قرون ثمة عادة لم تفارق الأندلسيين (المورسكيين) الذين هُجِّروا من أجمل مدن الدنيا غرناطة وإشبيلية وقرطبة وغيرها من حواضر المجد الغابر. إنهم يرنون بأنظارهم إلى الضفة الأخرى من الشاطئ. حنينا لأرض هجروا منها وأملا بعودة قريبة. تختلف تقديرات عدد الأندلسيين في دول المغرب العربي، فمن الباحثين من يوصل العدد إلى خمسة ملايين لكنه لا يقل عن مليونين. جلهم على شواطئ طنجة وتطوان.

تلك النظرة المحدقة في الضفة الأخرى من الشاطئ تختلف من الأجداد إلى الأحفاد، الأجداد كانت نظرتهم فوقية على الآخر الصليبي، الذي كان يمثل أبشع مراحل الحضارة الغربية التي تجسدت في محاكم التفتيش، وكانوا يمثلون أروع مراحل الحضارة الإسلامية فكرا وفلسفة ومعمارا وموسيقى وفنونا.

الموقف من الآخر يعبر عن الموقع الحضاري، ففي الوقت الذي ساوى أبو عبدالله الصغير في وثيقة تسليم غرناطة بين حقوق أبناء دينه من المسلمين وحقوق من في ذمتهم من اليهود، كانت مؤسسة "الكنيسة" تمارس أبشع صور التنكيل في تاريخ البشرية. مجرد الاشتباه بأنك مسلم كان كفيلا بتدمير حياتك ليس سلب الثروة فقط، بل سلب الأبناء وتربيتهم في الكنيسة ليكبروا رهبانا.

عجلة التاريخ لم تتوقف، تغيرت الدنيا واعتذرت الكنيسة عن محاكم التفتيش (وإن استثنت المسلمين من اعتذارها) وفصلت عن الدولة والحياة، وتراجع المسلمون إلى ذيل الحضارة البشرية. الأحفاد غدوا يطلبون من الضفة الأخرى العلم والعمل واللجوء السياسي وكل أشكال الرفاه والحرية. وكما أوصدت أبواب الرجوع في وجه الأجداد ظلت مؤصدة أمام الأحفاد، لكنهم اقتحموها عبر موجات الهجرة السرية. منهم من فقد حياته عبر قوارب الموت التي تقطع إلى الضفة الأخرى في مضيق جبل طارق.

لم يتغير الغرب جذريا، ولم يحقق المساواة تماما، وظل اندماج المهاجرين في المجتمعات الأوربية يواجه صعوبات ثقافية واقتصادية وسياسية أكثر منها قانونية. فانكفأ كثير من المهاجرين على ذاتهم، لا هم يستطيعون البقاء في مجتمع غربي عنصري ينبذهم ولا هم قادرون على العودة إلى الوطن الفاشل الذي لا يعدهم بغير البطالة.

مع ذلك تبقى الشبيبة تتطلع إلى إسبانيا أملا في الهجرة كما تطلع أجدادهم أملا في العودة عقب التهجير. وفي الحالين يظل البحر المتوسط أبعد ما يكون عن الشراكة، فالفجوات الاقتصادية والسياسية والثقافية لم يردمها البحر. وفي الواقع ظل الصراع أصل العلاقة لا الشراكة.

العلاقة الملتبسة مع الغرب التي يجسدها شاطئ طنجة تتعداه إلى العالم العربي والإسلامي بأسره، وهو مأزق يواجه الأفراد كما الدول. فالعرب والمسلمون مسكونون بفكرة محاكم التفتيش في غرب يريد أن يسلب ثرواتك وأبناءك وينزعك من دينك. المحاكم لم تعد ممثلة بالكنيسة فمحاكم التفتيش ممثلة في الدول الغربية. المسلم يشعر أن الإعلام والمناهج يراد لها أن تسلبه دينه وثقافته كما تسلب الدول ثروته وأرضه، فيخسر كما الأندلسيين الذين سلبتهم محاكم التفتيش أرضهم وثروتهم وأبناءهم. صورة الغرب الصليبي الغازي لا تزال تحكم مخيلة كثير من المسلمين، تقابلها صورة المسلم الغازي في الغرب. بالمناسبة الأندلسيون بعد تهجيرهم انحازت فئة منهم إلى البحر يغيرون على الشاطئ الآخر في ضربات انتقامية، وصلت إلى شواطئ الدانمارك. المسألة لم تبدأ بالرسوم الساخرة في الدنمارك ولن تنتهي بها. وسيظل البحر المتوسط مختبرا للصراع المزمن والشراكة المستحيلة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر