تحديث الحركة الإسلامية: الموسيقى "أنموذجا"

كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 2 نيسان 2006 الساعة: 12:16 م

متابعة شأن الحركة الإسلامية غدت مغرية لكثير من النخب سياسية أو إعلامية أو أكاديمية. أما العامة من الجمهور فهي منغمسة داخل الحركة وترى الأكثرية أنها جزء منها باعتبارها القادرة على تحقيق تغيير واقعهم للأحسن. وإذ تتعلق أنظار النخب والعامة بالبرنامج السياسي وتسعى إلى تحديثه من خلال  تشجيع  الحركة على الاندماج وإدارة الحكم والالتزام بالدستور والقوانين والعلاقة مع الغرب تغيب الأنظار عن البرنامج الاجتماعي للحركة الإسلامية. وهو لا يقل أهمية عن السياسة وإن لم يظهر كثيرا على السطح.

ومن دون التقليل من أهمية تحديث البرنامج السياسي فإن عملية التحديث لا بد أن تكون شاملة، والحركة الإسلامية جزء من المجتمع المراد تحديثه بصورة شاملة أيضا. وإلا فسيقع محظور الترقيع الذي يشوه ولا يحدّث. حتى اليوم ومن دون مبالغة تتبنى الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمون) برنامجا اجتماعيا متخلفا. ومع أنها تقدمت عليه على مستوى الممارسة، فإنها لا تزال نظريا تتبناه. فالحركة التي تقوم على أساس الدين وأحكامه تتبنى أكثر تفسيراته تشددا، ولا تختلف في ذلك عن حركة طالبان، وترفض تبني الأحكام الميسرة التي نظّر لها الفقهاء الأعلام أمثال الشيوخ محمد الغزالي وعلي الطنطاوي ومصطفى الزرقا (رحمهم الله) من الأموات، ويوسف القرضاوي وراشد الغنوشي وغيرهما من الأحياء.

حتى اليوم تتبنى الحركة تحريم الموسيقى، مع أن القرضاوي الذي يعتبر من رموز الحركة التاريخية أخذ منذ الستينات في كتابه "الحلال والحرام في الإسلام" بالفتوى الميسرة التي تعتبر الموسيقى كلاما حسنه حسن وقبيحه قبيح. لا أريد أن أدخل في جدل فقهي لست أهلا له، ولكن هذه الفتوى استمرار لفتوى حجة الإسلام الغزالي الذي قال: "من لا يعجبه العود وأوتاره والربيع وأزهاره فذلك فاسد المزاج ليس له علاج". وهي فتوى ابن حزم الفقيه ابرز مجتهدي المذهب الظاهري الذي يعبر عن ذروة السلفية من خلال الأخذ بظاهر النص الصحيح. طبعا وجد ابن حزم متشددين هجوه:

واجزم على التحريم أي جزم        والرأي ألا يتبع ابن حزم

فقد أحلـت  عنـده الأوتـار        والعود والطنبور والمزمار

ابن حزم الفقيه وصاحب "طوق الحمامة في الألفة والألاف" يعبر عن إسلام الحضارة في الأندلس لا إسلام التخلف. في الأندلس المفقود كان الموسيقيون لديهم نوبات موسيقية لكل ساعة من ساعة اليوم، ولا يزال حتى اليوم المتخصصون الغربيون يكتشفون روائع تلك الموسيقى التي خاطبت الروح وأشواقها لا الجسد وملذاته.

طبعا الحركة الإسلامية لا ترى في حضارة الإسلام غير سنابك خيل الفاتحين، وقصة الأندلس تنتهي بوقفة طارق بن زياد أمام جنده مخاطبا "البحر من أمامكم والعدو من ورائكم" ولا ترى الحركة شيئا من عظمة الحضارة الإسلامية في الأندلس لا في الموسيقى ولا غيرها. مع أن الوسيلة الوحيدة للدفاع عن الإسلام وغرسه في نفوس الناشئة تكمن في جاذبيته، والجمال هو الذي يجذب.

أنتهي بقصة حقيقية عن الموسيقى والحركة الإسلامية. في مطلع الثمانينات مثّل طلبة الاتجاه الإسلامي في الجامعة الأردنية مسرحية "عالم وطاغية" التي تتحدث عن المواجهة بين الحجاج وسعيد بن جبير، وهي من تأليف الشيخ يوسف القرضاوي. المسرحية رصد ريعها لصالح الجهاد الأفغاني (أي الإرهاب بلغة اليوم!). مخرج المسرحية أصر على استخدام الموسيقى فاستخدمت، واستصدرت فتوى من علماء كلية الشريعة وكان من بينهم إذاك الشيخ عبدالله عزام (أول الأفغان العرب لاحقا) تسمح باستخدام الموسيقى للضرورة!

الموسيقى وأشكال الفن جميعا تعبرعن الفكر والحضارة، فإن كانت الحضارة مادية تقوم على الوجود المادي ولا ترى في الإنسان غير كتلة صماء من الغرائز عبرت الموسيقى عن ذلك، وإن كانت ترى فيه روحا ومادة عبرت عن ذلك. لذلك أضاف الأندلسيون وترا للعود سموه وتر الروح. "استعادة الأندلس" من أهداف الحركة الإسلامية  تبدأ من استعادة ثقافة الأندلس وهي خطوة لا يبدو أن ثمة من يفكر فيها اليوم.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حركات إسلامية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “تحديث الحركة الإسلامية: الموسيقى "أنموذجا"”

  1. ياسر…

    المقال جميل جدا………. تلقيت اشادة كبيرة بما تكتب من الاصدقاء هنا في الولايات المتحدة…………….المضمون رائع و اللغة رشيقة و ممتعة كالعادة …………….

    الدكتور اسامة ابو هلالة

  2. أن ألتقي بالدكتور أسامة على البلوغ أمر طريف . فهو شقيقي الذي يصغرني بعامين وكنا لا نفترق عن بعضنا , إلا درجة أني كنت أعلق على صحبته اللصيقة بأنه سائقي ومترجمي . أسامة درس الطب وكان من الأوائل على مستوى المملكة في الثانوية العامة , وأنا هامل في المدرسة , ودرست الأدب العربي . فوق ذلك هو حجة في النحو وكثيرا ما كنت أستعين به في ما يشكل علي . وهو في المدرسة كان يحفظ من ألفية أبن مالك !

  3. أرطبون العرب قال:

    الأخ ياسر..

    مشكلة الإخوان المسلمين هي أن المصريين منهم بشكل عام متساهلين أكثر من إخوان الأردن..ربما سبب ذلك قرب الأردن جغرافيا من منابع الدعوة السلفية التي تحرم مثل ذلك.

    رصد بعض الباحثين تساهل الإخوان في كثير من المسائل الفقهية. إذ أنهم يجعلون الولاء والبراء في مساندة المرء لهم سياسياً. ولذلك لا عجب أنك إذا ابتعدت عن السعودية كثيرا…إلى تركيا مثلا تجد ان الذي خرج من عباءة الإخوان هناك هو رجب طيب الذي شكل حزبا يدين بالعلمانية!!!…وهو ما لا يمكن تصوره في تيارات إخوانية سعودية أو كويتية!!!

    لكنك يا ياسر تحدثت عن ابن حزم والغزالي..وليس عندك غيرهما من القدامى، وربما لن تجد. لكنك ورغم إصرارك على التحديث (تجويز الموسيقى)، فقد كنت ذكيا بإغلاقك الطريق أمام القارئ برفضك الخوض في المسائب الفقهية والتي قلت أنك لست مؤهلا لها…فكيف لي أن أقنعك إن رفضت الخوض، ولماذا تكتب هذا المقال إن كنت رافضا للخوض ثم خضت باطلاعك البسيط على الأمر؟؟!!!

    هناك الكثير من الكتب التي بحثت المسألة، ولا أدري إن كنت حقا تريد الحق في هذه المسألة أم كتابة مقال وكفى (لا اقول هذا ذما لك، لكنني حقا لا أعرف ما هي أولوياتك في البحث).

    أمر أخير أرجو أن أجد منك إجابة…هل لك أن تؤكد لي أن الشيخ عزام قد أفتى بجواز الموسيقى؟

  4. لتسمح لي هنا بالتعليق؟

    أرى أنك في مناقشتك هذه بالذات قد جانبت الصواب

    أولا عندما ذهبت تبحث عن فتوى أتيت بفتوى للظاهرية فهل هذا مذهبك أم أنك قرأت الأدلة وكان هذا استنتاجك.

    على حد علمي -وإن كنت لا أدعي أن لدي منه الكثير- فإن هناك حديث صريح وصحيح للرسول “صلى الله عليه وسلم” بحرمة “المعازف” عدا الدفوف وفي المناسبات.

    أي نعم أن الكثير من هذه الموسيقى هو راقي ويخاطب الروح. لكن وكما أعرف أن خير دواء وشفاء للروح هو مخاطبتها لخالقها. بدلا من من تلك الموسيقى التي لاتترك سوى جفاء فيما بينها وبينه.

    ثانيا: أرى أن الفن له آفاق واسعة وجمة أرحب من أفق الموسيقى الذي أخذته مقياسا للإخوان المسلمين “مع أنني لست منهم”.

    أرى أن لك اهتماما بالحركات الإسلامية فهل هو للنقد أم صحافة أم اقتناع؟

    ولك جزيل الشكر



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر