حبس الصحافة والواقع الإعلامي
كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 31 آذار 2006 الساعة: 13:21 م
"كم نحن مناضلون! كم نعشق الحرية! الطغاة يسقطون وتبقى الصحافة طودا سامقا يعانق السماء. لم تذهب دماء الصحافيين هدرا، قضوا شهداء في سبيل أنبل قيمة عرفها البشر.
الصحافيون الذين دخلوا السجن شبابا وخرجوا منه كهولا يعرفون أكثر من غيرهم أن السنين العجاف في السجن ما كانت إلا ثمنا دفعوه طواعية للآتي من السنوات السمان. ينظرون إلى أبنائهم شبابا وقد تركوهم أطفالا، يكفي أن الشباب يعيشون اليوم في عالم بلا رقيب".
يجنح بي الخيال، وأنا أتابع السجال حول حبس الصحافي، فأرسم عالما فيه قامعون حقيقيون ومناضلون حقيقيون. وما هي إلا ثوان حتى أصحو على واقع يكشف كم نحن مناضلون، وكم أرقنا من دماء وكم أمضينا من سنوات في السجون. في الواقع الإعلام الأردني يشبه الحكومات الأردنية. يكثر الحديث عن الحريات، لكنه قليلا ما يمارسها ويدفع ثمنها.
المسألة أكبر من نص في قانون، ومن يدقق في أوضاع الصحافيين الذين تعرضوا للاعتقال في غضون الخمس عشرة سنة الأخيرة يلاحظ أنهم لم يعتقلوا بناء على نصوص قانون المطبوعات. كما يلاحظ أن الحبس "مؤقت" وينتهي بتدخلات ووساطات لا علاقة لها بقانون المطبوعات.
من تجربة شخصية (لا تدعي النضال) أوقفت مرتين؛ كل منهما أربع وعشرون ساعة، وفي المرتين لم يستخدم في مذكرة التوقيف نصوص لها علاقة بقانون المطبوعات. مع أن سبب الاعتقال عمل صحافي. وما كان قولي أن قانون نقابة الصحافيين يشترط وجود ممثل للنقابة ساعة الاعتقال إلا حديث طرافة أدرك ويدركون أن لا نقابة تحضر ولا غيرها.
يومها لو كنت أعمل مع إعلام أردني لما كان ثمة إمكانية للاعتقال لسبب بسيط أن "وعي" رؤساء التحرير كفيل بردع جهالات الصحافيين المتحمسين. في المرتين، حينذاك، كان أكثر الإعلام (باستثناء العرب اليوم) ينقل حرفيا الخبر الحكومي كما جاء من وكالة الإنباء الأردنية. ومن يقارن بين التقرير الذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية "معان أزمة مفتوحة" وبين ما نشر في أكثر الصحافة الأردنية يجد كم كانت الصحافة تتمتع بالحرية الذاتية!
الصحافة الأردنية مرتاحة ومريحة، لا تستفز الجمهور ولا الحكومة تغضب، وتحافظ على معدلات توزيع محدودة وتلهث وراء الإعلان. تتجنب الاشتباك، ما أمكن، وإن وقعت الهيجاء تراها في الهزيمة كالغزال. تشاغب قليلا لكنها تصاب بالرعب مسيرة شهر. ولذلك نكثر من الحديث عن مصاب الأمة في فلسطين والعراق، ونهاجم أميركا وإسرائيل في الغدو والرواح. محليا نحسّ على المسائل الصعبة "كأنه آس يجس عليلا ".
الصحافة محبوسة بدون قانون، وسواء نجحت الحكومة في تقديم قانون يمنع الحبس أم لا فإن الحبس قائم موجود، وحبذا لو يخرج رؤساء التحرير عن صمتهم ويحدثون الناس عن الحبس غير المنصوص عليه في قانون المطبوعات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إعلام | السمات:إعلام
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























