"إمارة غزة الإسلامية" تأكيدٌ لواقع تاريخي

كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 18 حزيران 2007 الساعة: 14:10 م

حدث ما كان متوقعا وربما مخططا له. فالحصار والدمار الذي واجهته حكومة حماس جعلها بين خيارين: الاستسلام أو المواجهة. وها هي تختار الثانية. كان بإمكان العالم أن يتعامل مع أكثر الشخصيات الفلسطينية شعبية اسماعيل هنية بكل ما عرف عنه من سماحة ولين ونزاهة لكنه أقصاه ليجد نفسه وجها لوجه مع مقاتلي كتائب القسام الأشداء الغلاظ طلاب الموت لا طلاب الحكم.

ما يجري في غزة هو نتيجة طبيعية لتدمير القيادة السياسية لحماس. وهو ما راهنت عليه إسرائيل وحلفاؤها. فتلك القيادة لم يعد لها حضور بعد الحصار المدمر الذي ضرب عليها وعلى الشعب الفلسطيني، لم يكن إسماعيل هنية، رئيس الوزراء المنتخب في أنزه انتخابات عرفها العرب في تاريخهم، معترفا به عند "العالم" ولا عند "الأجهزة الأمنية"، وتحت بصر "العالم" (معنى العالم هنا أكثرية المعمورة الخاضعة لنفوذ وزيرة الخارجية الأميركية) تم معاقبة شعب كامل بذنب انتخاب مرشحي حماس.

لم يكتف بالحصار واختطاف وزراء الحكومة ونواب المجلس التشريعي بل ورئيس المجلس وإنما بدأت الأجهزة الأمنية في سابقة لم يعرفها العالم بتمرد مسلح لأنها لم تتلق رواتبها. وبدلا من الاحتجاج "العالم" الذي يفرض الحصار احتجت الأجهزة على الحكومة المحاصرة التي بقيت مع شعبها ولم تهرب للعيش في الفنادق الفارهة. كان المطلوب من حماس أن ترفع راية استسلام غير مشروط تتخلى عن سلاحها وعن شرعيتها الانتخابية. لتخير لاحقا بين سجون السلطة أو سجون الاحتلال. أما جهازها العسكري الذي خاض أول معركة تحرير حقيقية للعرب في تاريخهم الحديث عندما حرر قطاع غزة فكان المطلوب منه أن يظل تحت رحمة الاغتيالات "العشائرية" (من يصفى من قادة القسام على يد العملاء الفلسطينيين يقال أنه قتل لثأر عشائري) وقصف الطائرات الإسرائيلية التي تتلقى إحداثيات من عملاء يعلمون جهارا نهارا. 

في الواقع لم تتخل حماس عن سلاحها، وظلت تمارس حق الرد بالصواريخ وقامت بأكثر عمليات حرب العصابات تعقيدا عندما خطفت الجندي الإسرائيلي شاليط عبر الأنفاق. ولم تتخل عن الحكم. وظلت تتلقى قصف الطيران الإسرائيلي ورصاصات "مجهولة المصدر" تتصيد جناحها العسكري. ولم تتوقف تحرشات الأجهزة الأمنية بـ" قوتها التنفيذية" التي كانت المحاولة الأخيرة لضبط الفلتان الأمني في غزة.

لا أحد يجيب كيف يمكن تحقيق الأمن في ظل أجهزة أمن تعلن تمردها على وزير الداخلية ورئيس الوزراء. شكل وزير الداخلية "قوة تنفيذية" من مختلف الفصائل المسلحة وترأسها أبو سمهدانة، وهو فتحاوي سابق، إلى أن اغتاله الإسرائيليون. كل ذلك كان من المفترض أن ينتهي باتفاق مكة. وهو اتفاق شكل اختراقا استراتيجيا غير متوقع. لكن إسرائيل لم تقبل بالاتفاق وعارضته علنا. وعارضه سرا كثير من عملائها.

سيحاسب التاريخ من فرطوا باتفاق مكة ليس باعتباره هدنة بين متقاتلين، بل بوصفه أول محاولة لتحقيق شراكة بين الحكم والمعارضة في العالم العربي. شراكة تجنب الفلسطينيين دماء سبق وأريقت أضعافها في الجزائر. إنها ليست مأساة الفلسطينيين أنها مأساة العرب جميعا، فحتى اليوم يعامل الإسلاميون بوصفهم وباء تتخذ الإجراءات الوقائية والاستباقية وتراق دون وصولهم إلى السلطة أو مشاركتهم فيها كل الدماء. 

بعيدا عن قنابل البكائيات الدخانية؛ لنسأل ما مصلحة حماس في إفشال نفسها؟ أليس من الطبيعي في كل دول العالم أن يكون وزير الداخلية المسؤول عن الأجهزة الأمنية؟ بأي حق يمنع المسؤولون المنتخبون من الاقتراب من الأجهزة الأمنية أفرادا وضباطا ومالا وسلاحا؟

هل توجد مزحة أسمج من "قلق" الأميركيين على "الديمقراطية الحقيقية"؟ من أجهض الديمقراطية الحقيقية في العالم الإسلامي كله غير الأميركيين؟

حسمت حماس المعركة في غضون ساعات على رغم تفوق أجهزة الأمن في العدد والعتاد والمقار الحصينة التي كلفت عشرات ملايين الدولارات، حسمت المعركة كما حسمتها من قبل طالبان في أفغاستان والمحاكم الإسلامية في الصومال بسبب قرف الناس من السلطة، وهذا ما يجب على الأميركيين أن يعوه. في قطاع غزة الصغير يعرف الناس أن الثمانين مليون دولار التي رصدها الأميركيون للأمن الرئاسي ليست لدعم الديمقراطية الحقيقية وإنما لتصفية المقاومة وتدمير حكومة حماس التي تمنع من إدخال دولار ثمنا لغذاء طفل.

حسمت المعركة العسكرية لكن يستحيل الحسم سياسيا دون شراكة حقيقية بين فتح وحماس. ليس ثمة مخرج غير إحياء اتفاق مكة الذي يكرس الشراكة الحقيقية. أما القول بالإمارة الإسلامية في غزة فهو ليس اتهام لحماس بل تأكيد لواقع تاريخي، فلا يلغي إسلامية غزة وجود دولة الاحتلال اليهودية. ما كان لاحتلال أن يغير تاريخ المنطقة. وعلى السلطة أن تتعامل مع واقع حماس المفروض انتخابيا تماما كما تتعامل مع واقع الاحتلال المفروض بالقوة. أما قطع الماء والكهرباء عن قطاع غزة فهو جريمة ضد الإنسانية لم يسبق للعالم أن عرفها، جريمة تكشف حقيقة المعركة مع عدو لا يتورع عن ارتكاب الفظائع لأسباب سياسية، عدو ما يزال يحتل غزة ويتحكم في بحرها وجوها ومائها وهوائها وإن ترك أرضها.

ما يبدو أن "العالم" لا يعرفه أن في غزة قنبلة بشرية إن انفجرت فشظاياها أول ما تطاول "إسرائيل"!

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إصلاح سياسي, إعلام, حركات إسلامية, صورة وتصور | السمات:, , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

9 تعليق على “"إمارة غزة الإسلامية" تأكيدٌ لواقع تاريخي”

  1. حسبي الله على الظلمة وكل ما وقف وايد الفساد وافعاله اله يكون معنا واشكرك على مقالك الرائع

  2. الأستاذ ياسر .. لم أفهم قولك أن إنفجار القنبلة البشرية في غزة سيطال إسرائيل ؟

    إن حدث الإنفجار فهو إنفجار داخلي لن يطال سوى أهلنا في غزة .. و للأسف خلال الأيام الثلاثة الماضية بدأت هذه الإنفجارات الصغيرة البطيئة على حياة الشعب المحاصر في غزة من حيث إنقطاع الوقود وشح اموارد الغذائية و محاولات البعض للهرب من جحيم غزة ..

    ثمة فرق مابين الأماني و الوقائع .. منذ بداية حماس في الحكومة كنا نعرف أن سقف الحركة في التحرك السياسي و العملي سيظل محدوداً و مغلقاً وأن الخطاب الطوباوي الذي يردده قادتها لن يأتي بحلول واقعية لهذا الشعب .. شئنا أم أم أبينا نحن نتحرك ضمن هذا العالم ( الأرضي ) ولا نُحلق في السموات و علينا أن نتحلى بنوع من البراغماتية للتعامل مع الأمر الواقع ، هذا مفروض علينا و ليس خياراً عاطفياً كخطبة حماسية يلقيها شيخ من على منبره فيفرح قلب المؤمن ويعود إلى بيته منتشياً بالنصر ليجد أن لا رغيف خبز في بيته !!

    هل تصريحات قادة حماس بالصمود و الصمود ستحل شيئاً من قوت عياله ؟

    هذه قالها سعدون حمادي في عمان بعد أن أقر مجلس الأمن على العراق :

    نحن في الحكم لن نتضرر ، الشعب العراقي هو المثضرر ..

    بالطبع أن قادة حماس إحتاطو شخصياً لهذا الحصار الجديد و ملأؤا خزانتهم بالوقود و الطعام وليدفع الشعب ثمن الخطاب السياسي المغلق فالكاميرات جاهزة و الفضائيات ترحب بهذا النوع من الإثارة الإعلامية و سيصمدون هم و سينهزم الشعب ..

    عذراً لصراحتي الزائدة

  3. على كل مسلم مؤمن يعقل ويفهم معنى وروح وغاية ومقصد دين وشرع الإسلام الذي اختاره الله للناس جميعاً وأرسل إليهم به الرسل منذ آدم إلى خاتمهم محمد الذي أنزل عليه خاتم كتبه المبين فيه خبر ما كان وما سيكون والمتكفل بحفظه من الزوال والتحريف وليكون نور هداية ومذكراً لهم وشاهداً على الناس جميعاً من أسلم ومن لم يسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كلُ بما قال أو فعل ..،

    خاصة في زمن الفتن .. التي تظهر في غياب الحكم العادل الرشيد الذي يحكم بين الناس بالعدل .. أن يتقي الله ذلك المسلم فيما يقول ويفعل وبأن يكون مفتاح خير لا شــر ..

    وممن يقول الحق والصدق المستدل على قوله بالدليل الواضح البين الذي لا يحتمل التفسير على أكثر من وجه خاصة في قضايا العقيدة والأصول ( بعكس قضايا الفروع التي تحتمل أكثر من وجه والاختلاف فيها جائز ) وليكن قوله على بصيرة وبالحسنى من أجل التفاهم والتقارب بنية صالحة بين الفئات المتنازعة من أجل الدين .. لا من أجل الدنيا أو من أجل حزب أو مذهب وطائفة ليسلم وليكون له عذر عند ربــه ..، إن كان ذلك القائل ممن يحسن القول ..وإلا.. ليصمـــت .. وإن فرض عليه بغي أو قتال فإن استطاع أن يكون عبد الله .. المقتـــول .. لا .. القاتــل … فليكـــن ويا ليته يسلم …!!!

    وإني شخصياً أحــب أن أكــون من حزب عبد الله المقتول .. لا .. القاتــل في مثل زمــــن الفتــــن هـذا الذي نعيـــــش فيــــــــــــــــه ….!!!

  4. ردي على السيد طنطاوي ، يتحدث وكأن غزة كانت بؤرة نعيم ورخاء ولم تكن مجرد سجن كبير تمارس عليه كل أنواع الحصار والتجويع ….. خلاصة الوضع أن الجميع يريد تركيع حماس وذلها … وإذا كانت المقاومة والصمود لم يجلب سوى الجوع والألم لأهل غزة فما الذي أحضره لها الركوع والانبطاح والعمالة ….

    قد يتحمل الانسان احتلالا أو حصارا … لكن لن يتحمله وهو يعيش تحت رحمة خونة ومرتزقة وعملاء ولحديين جدد

  5. العزيز ياسر أبو هلالة :

    تحية طيبة و بعد :

    ” أما جهازها العسكري الذي خاض أول معركة تحرير حقيقية للعرب في تاريخهم الحديث عندما حرر قطاع غزة “….. حرر قطاع غزة ممن ؟ من الإسرائيليين ؟ إسرائيل ليس لها وجود عسكري حقيقي داخل القطاع و إنما على أطرافه و بالتالي كان التحرير من الفتحاويين ؟ و يا له من تحرير ، يقاتل أبناء الشعب الفلطيني و يقتل 100 شخص في اسبوع و النتيجة تحرير قطاع غزة .

    “سيحاسب التاريخ من فرطوا باتفاق مكة ليس باعتباره هدنة بين متقاتلين، بل بوصفه أول محاولة لتحقيق شراكة بين الحكم والمعارضة في العالم العربي. شراكة تجنب الفلسطينيين دماء”…. يا أستاذ ياسر أنت أعلم مني بأن اتفاق مكة كان ينص على الإلتزام بقرارات الشرعية الدولية و الإتفاقات المبرمة سلفاً من قبل السلطة الوطنية الفلسطينينة ، يعني الإعتراف بإسرائيل ، ألا يوجد في دستور حماس عدم الإعتراف بإسرائيل و تحرير كامل الأرض المحتلة ؟ ثم هل جنّب إتفاق مكة الفلسطينين الدماء ؟ الجواب لا بدليل ما حدث في الأسابيع الماضية من قتل و عمليات اغتيال من قبل الطرفين و أمام كاميرات التصوير .

    “حسمت المعركة العسكرية لكن يستحيل الحسم سياسيا دون شراكة حقيقية بين فتح وحماس. ليس ثمة مخرج غير إحياء اتفاق مكة الذي يكرس الشراكة الحقيقية”…

    إن شراكة حماس مع فتح لها طريقين : إما أن تقوم حماس بتنظيف قذارات رجالات فتح و تهديهم إلى الصواب ، و إما أن تقوم فتح بتدنيس الثوب الأبيض الذي ترتديه حركة حماس و الذي نعرفه جميعاً ، و الواقع الذي نراه الآن يرشح الخيار الثاني و لا ندري ما يخبئه المستقبل لنا و لحركتي حماس و فتح .

    أعتذر عن الإطالة أستاذ ياسر و لك مني كل التقدير و ننتظر جديدك .

    فائق الإحترام .

  6. فلسطينية عابرة قال:

    ابدعت اخي ياسر ابو هلالة ونشرت مقالتك باسم على موقع شبكة فلسطين للحوار

    الف تحية لحماس واسودها

  7. يعني جلطتنا يا ياسر. نفسي افهم مين حاطك محامي دفاع عن الاسلاميين و الاخوان . اي و الله بتمغص يا زلمة

  8. ألى السيد ” مجهول ” الذي رد علي أرجو أن تقرأ مقالتي ” طاهرة الأسماء المستعارة ” في مدونتي // عذراً ياسر لم آتي هنا للترويج لنفسي و لكن هذا الموضوع يشغلني .. التخفي و الأسماء و المستعارة ,, طبعا أنا لا أرد على أي مجهول ,,

  9. أنت يا أستاذ ياسر من القلائل الذين يسمون الأشياء بأسمائها بلا ضبابية و لا حيادية زائفة أو جاهلة كما يفعل كثير من الكتاب و المحللين “الكبار” الذين يضعون مسئولية ما حدث و ما كان يحدث بالتساوي على كل من حماس و فتح. غالبية الكتاب لايرون في ما يحدث سوى أنه تشويه للنضال الفلسطيني دون أن يشيروا الى أن فريق المتأمركين من الرئيس عباس و “الشلة” المحيطة به هم المسئولون بشكل منفرد عن ما حدث و يحدث في فلسطين



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر