المؤتمر الدولي : سياحة خريف العمر

كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 10 أغسطس 2007 الساعة: 15:14 م

   عندي مقترح في غاية الأهمية ل" الدبلوماسية الأردنية "  بخصوص المؤتمر الدولي المزمع عقده في مقبل الأيام . فبما أن الأردن عراب  دول الاعتدال في المنطقة ، ويحظى بعلاقات مميزة مع كل الأطراف الفاعلة ، ويتبنى السلام خيار استراتيجيا ، وينبذ التطرف والإرهاب ، وما إلى ذلك من سمات لا تجتمع في غيره ، لا بد أن يعقد المؤتمر في البتراء . فإن خرج  بحل للصراع العربي الإسرائيلي  كان عجيبة ثامنة من عجائب الألفية الجديدة  وإن كان  حفلة وداعية لبوش  يستفاد منه سياحيا في الترويج للبتراء وزيادة نسبة الإشغال فيها . تماما كما حصل في " شرم الشيخ " فذلك المنتجع البحري القصي  ازدهر بفعل ماكنة  الدعاية التي وفرتها مؤتمرات المنطقة الفاشلة ، يكفي هنا تذكر تلك القمة العالمية لمكافحة الإرهاب قبل أكثر من عقد .

     يبدو التوقيت مناسبا جدا :" الخريف ".  فالرئيس الأميركي في خريف عمره السياسي ،  وهو بحاجة حقيقية إلى حفلة وداعية ، إن لم نقل حفلة تأبينية ، تلقى فيها كلمات آل الفقيد والأصدقاء ورفاق الدرب . يمكن توسيع الحفلة بما أنها حفلة ، والتذاكر على حساب المدعوين ، والإبهار من شروطه انعدام الصلة بالواقع ؛ كرزاي  شخصية مفيدة جدا لبوش ، لا بد من دعوته ، فالرجل  يشكل النجاح الوحيد للمحافظين الجدد ، حاكم مثالي ، نكرة جاء من شركات النفط الأميركية ليحكم بلدا عجزت عن حكمه الإمبرطوريات  البريطانية والسوفيتية ، وهو عارض أزياء من طراز رفيع ، أنيق وخطيب مفوه ، سيعطى المؤتمر مغزى مهما، ليس غطاء إسلاميا فحسب ، وإنما تعريفا صحيحا  للمواجهة مع" قوى التطرف" التي جيش المؤتمر لمحاربتها ، فالمواجهة مع طالبان أفغانستان  هي ذاتها مع طالبان غزة ( حماس) وطالبان لبنان ( حزب الله ) .

         الدعوات مفتوحة  مع اصطحاب الصغار  ، المشكلة في مدعو واحد ، هو بشار الأسد ، فالأصل أن يدعى باعتبار أن  تعطل  مسار التفاوض السوري الإسرائيلي  هو الذي  يعرقل الوصول إلى تسوية إقليمية . في المقابل لا تخفى النوايا الأميركية في عزل سورية . وهي ضمنا عماد القوى " المتطرفة " التي انعقد المؤتمر لمحاربتها . فالمسؤولون الأميركيون لا يكفون عن اتهام سورية  بدعم "الإرهاب" في فلسطين ولبنان والعراق . كيف سيدعى بشار إذن ؟ الدعوة مفتوحة نعم ، ولكن حضور ضيف مثل بشار سينغص على من أقيمت الدعوة على شرفه ، وسينسف فكرة المؤتمر في محاربة قوى التطرف والإرهاب . سيتحدث حامد كرزاي  وسيرد عليه بشار الأسد ، مقدما تعريفات جديدة للإرهاب والمقاومة والسلام والتسوية عائدا إلى سنوات الإسكندر   المقدوني ، وسيصل في الخاتمة إلى وديعة رابين   ومزارع شبعا . موجها نظره إلى الرئيس إميل لحود  الذي سيأخذ بطاقة لبنان في الحفلة  فور وصولها .

        ربما تستثنى سورية من الدعوة ، وتقتصر الاحتفالية  على المسار الفلسطيني  ويعلن أبو مازن استقلال فلسطين مجددا في إطار رؤية بوش في حل الدولتين . وسيجد في بيريز  مشعوذا بارعا في التهويم  وتزييف الوقائع . وسيعلن عن اكتشافه الجديد :" علم فوق الأقصى "  حلا للصراع حول القدس . وسيحرص على مصافحة الجميع  وخصصا حامد كرزاي  ليثبت للعالم أن بلاده تمد يد السلام .

    أهم شيء كلمة صاحب الدعوة ، بوش ملقيا خطبة الوداع ، حدث ستنقله وسائل الإعلام العالمية على الهواء مباشرة . سيركز  على فتوحاته التي حققها في نشر الديموقراطية  والسلام في العالم . فالعالم غدا أفضل بدون نظامي طالبان والبعث ( ربما يعترض بشار إن كان مدعوا )  فللمرة الأولى انتخب الأفغان والعراقيون حكوماتهم ( تصفيق حاد من حامد كرزاي وجلال طلباني ) مع إشادة خفيفة بالحكومة الفلسطينية  المعينة بقرار رئاسي  ( عباس  لن يصفق هنا  حتى لا يتذكر الناس  رئيس وزراء الحكومة المنتخبة  ورئيس المجلس التشريعي ) وسيختم كلمته بالتأكيد على أنه سيترك من ورائه إرث " الدولة الفلسطينية القابلة للحياة " ( تصفيق حاد من الجميع بمن فيهم بيريز  وأولمرت  وأبو مازن سيكون آخر واحد يتوقف عن الصفيق ).

    هنا ينتهي المؤتمر ، وسيختفي بعد 24ساعة  عن عناوين نشرات الأخبار والصحف . في أثناء الحفلة ستكون ثمة أخبار أقل أهمية منها تضيع في زحام الوكالات الإخبارية : استشهاد ثلاثة فلسطينيين في توغل إسرائيلي ، مقتل جنديين لبنانيين في  اشتباكات في نهر البارد ،  مقتل وإصابة عشرين من أفراد الحرس الوطني في هجوم انتحاري في بعقوبة ، طالبان تختطف مهندسا بلغاريا . الجيش الأميركي يعلن وفاة جندي أميركي أصيب في الأنبار . في هآرتس  كتب إيلي  فودة رئيسقسم دراسات الشرق الاوسط والاسلام في الجامعة العبرية عن المؤتمر المزمع :" حفلات الوداع لا تحمل البشائر، وانما ترمي الي انهاء فترة وإضفاء الشعور ـ حتي وان كان لحظيا فقط ـ بالتسامي. المشكلة هي أن كل المشتركين يجيئون الي هذا الحفل مرهقين مُنهكين".

 إن عقد المؤتمر في البتراء  سيشكل فرصة لن تعوض للترويج السياحي ، سياحة خريف العمر .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إصلاح سياسي, الصراع العربي الإسرائيلي, العراق | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “المؤتمر الدولي : سياحة خريف العمر”

  1. احييك يا استاذ ياسر محمد العيسى

  2. الأستاذ ياسر أبو هلالة المحترم. كما قلت انها حقاً فرصة للترويج السياحي ليس الا، كل المدعوين تقريباً سيحالوا على المعاش. ليس بأيدهم فعل شيء بعد الآن ! ومن قال أنهم فعلوا شيئاً ؟ كثيرة هي المؤتمرات وأكثر منها الخطب العصماء التي نشرت لنا الديقراطية والسلام !

    ….. تصوير جميل للأحداث حقاً تشبه مسرحية أو نصاً سينمائياً بامتياز.

    أستاذ ياسر : ما رأيك في أن تصبح كاتب سيناريو ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  3. السلام عليكم كيف يمكنني ان اتواصل معك لمجموعة من الاسئلة اريد سؤالك اياها؟هل من ايميل أو رقم هاتف؟



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر