المواجهة الأميركية التركية المقبلة
كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 23 أغسطس 2007 الساعة: 05:32 ص
تصلح تركيا نموذجا للتعقيد والالتباس الذي يحكم العلاقات الدولية بعد الحادي عشر من سبتمبر، فعالم الأحادية القطبية الذي تشكل عقب نهاية الحرب الباردة غدا عوالم تتشكل بين عشية وضحاها تحكمها عوامل بالغة التعقيد والتركيب يتداخل فيها الوطني المغرق في المحلية مع العالمي العابر للدول والحدود، تحضر فيه الشركات وأرقى ما عرفه العالم الحديث من روابط بجوار القبيلة والطائفة وأقدم ما يربط بين الجماعات البشرية.
بعد الحادي عشر من سبتمبر بدت تركيا نموذجا للإسلام المعتدل المتصل بالعصر، نسخة قابلة للتعميم، وفي الوقت نفسه حليفا تاريخيا لأميركا، لا يركن للتاريخ، بل تنتصب للحلف قاعدة إنجيرلك شاهدا قائما من أيام الحرب الباردة. كان بوش في حربه على "الإرهاب" بحاجة إلى حلفاء مسلمين ينفون عنه زلة لسان"الحروب الصليبية" وبحاجة إلى الجغرافيا التركية فهي المحطة الأهم في الحرب على العراق، صلة بين قواعد أميركا في أوروبا، ونفاذا من الخاصرة الكردية في الشمال العراقي.
فهم الأتراك اللعبة، ومارسوا الغواية على أصولها إلى آخر لحظة. الإسلاميون في حزب العدالة والتنمية ينوؤون بحمل الانتصار المدوي، العسكر في الداخل يتربصون بهم والأوروبيون في الجوار يتوجسون منهم. حصلت حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة غول(كان أردوغان في ظل الحظر السياسي بعد) على بروتوكول تعاون مع الأميركيين يوثق الجائزة الكبرى التي سينالها الأتراك في مشاركتهم للحرب.
لم يغط البروتوكول الدور الاستراتيجي العسكري لتركيا فحسب، بل فصّل في المنافع الاقتصادية من إعفاء مصانع النسيج التركيا إلى الضرائب التي يدفعها الجنود الأميركيون حال دخولهم البلاد.المؤشرات كانت تؤكد أن مجلس النواب التركي سيصوت لصالح اتفاق حكومة الأكثرية، كنت وقتها أغطي جلسة مجلس النواب التركي، وعندما ظهرت النتيجة ضد الاتفاق بفارق ستة أصوات خيمت أجواء الصدمة. وحار المحللون هل هي خديعة أداها نواب حزب العدالة باحتراف بحيث تجنبوا دخول الحرب دون مواجهة مع أميركا أم أنها تعبير دقيق عن الانقسام داخل الحزب؟ المؤكد أن أردوغان الذي كان يراقب النتيجة دون مشاركته في المجلس أو الحكومة كان سعيدا بما حصل.
تقبل الأميركيون تصويت مجلس النواب التركي على مضض، وأسرّ بوش للصحافيين الذين كان يصطحبهم على الطائرة بأنه يحترم الديموقراطية التركية، فهو في حربه على العراق له معارضون فكيف بالأتراك؟ وأعلن وزير الخارجية الأميركي كولن باول أنه يحترم إرادة الشارع التركي. ففضلا عن تصويت النواب كانت نسبة 95 في المائة من الشارع بحسب استطلاعات الرأي ضد الحرب.
شعر الأتراك بالخوف بعدما بدا انتصار أميركي سريع في العراق، واستغل أحمد الجلبي الذي كان أكثر السياسيين نفوذا في العراق ما بدا ندماً تركياً على تفويت كعكة الحرب، تحرك إلى تركيا ليقنعهم بالمشاركة في قوات حفظ سلام إسلامية، واختار محافظة الأنبار العربية السنية تطمينا للأكراد والشيعة. وكاد مشروع الجلبي ينجح لولا تصاعد المقاومة وخصوصا في الأنبار. وشيئا فشيئا تحول الانتصار السريع إلى هزيمة بطيئة وكارثة محققة حصدت تركيا وحزب العدالة بخاصة جائزة البعد عنها.
في ظل تحضيرات الحرب على إيران، تلوح في الأفق نذر مواجهة تركية أميركية، فبدلا من أن تكون تركيا رأس حربة في المواجهة مع إيران يوقع وزير الطاقة التركي حلمي غولر اتفاقية يمكن وصفها بـ"التاريخية" مع طهران أول من أمس. الاتفاقية توصل بين حقل الغاز الإيراني على الخليج - وهو امتداد للحقل القطري– وبين طهران في المرحلة الأولى وصولا إلى ربط الغاز الكازخستاني بإيران وتركيا.
الاتفاقية ضخمة وتتناول أيضا بناء ثلاث محطات توليد طاقة كهربائية.
في ظل الأنابيب السميكة تبدو في الخلفية طموحات تركيا في التواصل مع جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق الإسلامية. فكازخستان وغيرها من جمهوريات تنهل من نفس الوعاء الثقافي لتركيا. فأجداد العثمانيين قدموا من تلك البلاد، والجذر اللغوي واحد.
يحاول "العثمانيون الجدد" الاستفادة من دروس التاريخ القريب، فحماسة شيخهم نجم الدين أربكان لاتفاق الغاز مع طهران، والذي وصف بصفقة العصر، كان من الأسباب التي عجلت بإطاحته. وفي ظل المعارضة الأميركية لاتفاقيات طهران أنقرة يغسل الاتفاق من أي أحمال سياسية. ويقدم باعتباره اتفاقا اقتصاديا فرعيا يلبي حاجة تركيا الملحة للطاقة. وإن كانت أميركا تخوض الحرب من وراء البحار سعيا للطاقة وهي تمتلك الكثير منها فمن حق تركيا أن تعقد اتفاقات مع الجار القريب.
إرهاصات المواجهة بين أميركا وتركيا بدأت، فتركيا كانت هي المضيف لمؤتمر الدول المعنية بالهم العراقي، باعتبارها صاحبة الفكرة. لكن المؤتمر انتقل إلى شرم الشيخ، وفي الوقت الذي كان ينظر لها باعتبارها شريكا في مسيرة السلام في المنطقة لا يتوقع أن تدعى إلى المؤتمر الدولي المزمع.
وفي مواجهة حزب العدالة والتنمية يجد المحافظون الجدد حلفاء لهم في المؤسسة العسكرية داخل تركيا. وهؤلاء ينظرون بريبة للتعاون مع إيران، لكنهم يختلفون مع أميركا في موضوع المواجهة مع حزب العمال الكردستاني. وبنظر العسكريين الأتراك فإنّ السلاح الأميركي الضائع في العراق وجد طريقه إلى حزب العمال الكردستاني برعاية حلفاء أميركا؛ أكراد العراق.
بعد حلف الطاقة، هل تتحالف إيران مع تركيا لمواجهة الانفصاليين الأكراد؟ خبراء الشأن التركي يرون أن الإيرانيين تحكم سياستهم "شكوك عميقة، ولا يبادلون المبادرات التركية بمثلها". فالسياسة الإيرانية تستند إلى مصالحها في الطاقة والأسواق ومواقع النفوذ ولا تمحى من ذاكرتها سنين الصراع الصفوي- العثماني البعيدة. فمشروع الثورة الإسلامية في إيران بصورته الأولى كان صراعا على قيادة العالم الإسلامي لا قيادة إيران فحسب، وهو بنسخة أحمدي نجاد المنقحة، وفي أجواء الحرب قابل للإحياء مجددا.
و"العثمانيون الجدد" يتطلعون لدور قيادي من نوع آخر. فهم يبنون بصبر ونفس طويل حجرا حجرا جسرا مع أوروبا، وفي خيالهم جند الخلافة يفتحون القسطنطينية ويحاصرون فْيَنّا.
يُستبعد في ظل التعبئة الأميركية على إيران أن تفتح جبهة علنية مع تركيا، وإن كانت الحرب مفتوحة سرا، لكن بعد أن تضع الحرب أوزارها مع إيران ستفتح جبهة تركيا التي ترى أن خسائرها، أيا كانت نتائج الحرب، ستظل دون خسائر مشاركتها. وهي تعي جيدا دروس المستنقع العراقي. فالحرب الباردة مع أميركا تظل جنة مقارنة بجحيم الحرب في العراق وإيران.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : إصلاح سياسي, الصراع العربي الإسرائيلي, حركات إسلامية | السمات:إصلاح سياسي, الصراع العربي الإسرائيلي, حركات إسلامية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























