الجوردان تايمز
كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 29 تشرين الأول 2007 الساعة: 11:39 ص
مثل اكتشاف أميركا ؛ خطأ خير من صواب . لم يكن يراد ل" الجوردان تايمز " عندما تأسست أن تكون صحيفة تعبر عن تقاليد الصحافة الحرة وقيم الديموقراطية والليبرالية . خط سير رحلتها – الذي ضلت عنه – كان شبيها بالمجلات الإنجليزية التي تتناسل بسرعة هذه الأيام ؛ علاقات عامة للبلاد تعرف بسياحتها واقتصادها وناسها .
خط الضلال عن خط السير المرسوم قاده رئيس التحرير الثاني جورج حواتمه ؛ فالمهندس النووي الذي بدل الصحافة بالهندسة ، أدرك أن الصحافة مثل الهندسة مهنة لها تقاليدها وقيمها . فما يصح في الهندسة في بريطانيا يصح في الأردن ، وكذا الصحافة . فلا يجوز أن تقوم الصحافة بوظيفة العلاقات العامة للحكومات وتنسى وظيفتها الأساسية سلطة رابعة تراقب وتنتقد وتحقق وتتفاعل وتتحدى .
حرثت " الجوردان تايمز " في أرض خصبة وعرة . لم تكن حراثة عدمية في ماء ، ولم تكن حراثة سهلة في أرض مبسوطة . ونجحت بأقل الإمكانات في توطين تقاليد صحافة حديثة وقيم الديموقراطية والليبرالية . وليس أدل على ذلك من رئيس تحريرها الراحل عبدالله حسنات رحمه الله . لم يكن عبدالله سليل عائلة ثرية أوفدته لدراسة الصحافة في جامعة كولومبيا . يتيم نشأ في وادي موسى في محافظة معان وواصل حياته في شظف الزرقاء .
في مدرسة " الجوردان تايمز " تعلم الحسنات إلى أن صار رئيس تحريرها . لم تكن مدرسة للصحافيين العاملين فيها ولا لقراء الإنجليزية المحدودين ، كانت مدرسة لجيل من الصحفيين . حتى أن رياض الحروب مؤسس الصحافة الأسبوعية يقول أنه استلهم جرأة تلك الصحافة من " الجوردان تايمز " .
على يسار " الرأي " هذه حكمة الجغرافيا . فالداخل إلى المؤسسة الصحفية كان يدرك الفارق بين اليمين ( الرأي ) الناطق بالعربية ، وبين اليسار ( الجوردان تايمز ) الناطق بالإنجليزية . ومع أن المؤسسة الصحفية الأردنية ظلت لسان الدولة الأردنية إلا أن هامشا واسعا ظل مفتوحا للصحيفة التي لا تقرؤها العامة و تتداولها النخبة التي تعرف الإنجليزية .
في "الرأي "كان الأردن التقليدي المحافظ مثله جيل الأساتذة جمعة حماد رحمه الله ومحمود الكايد أمد الله في عمره وفي " الجوردان تايمز " كنت ترى الأردن الليبرالي المنفتح . لم يكن ثمة صدام بين نقيضين بقدر ما كان تكامل بينهما . وما قبل من " الجوردان تايمز " ما كان ليقبل من " الرأي " . لا تغيب عن الذاكرة مشاهد أبناء " الرأي " وهم يتسللون إلى " الجوردان تايمز " . كنت وباسل رفايعة وعماد حجاج وغيرنا نجد في مكتب عبدالله حسنات رحمه الله ملاذا لنا ، وكان أستاذا لنا على الرغم من أننا لم نكتب في الصحيفة وربما لم نقرأها .
تعلم كثير من الصحفيين في مدرستها ، وأرست تقاليد وعممت قيم ، وما كان لها ذلك لولا الجهود المضنية والتضحيات الكبيرة لروادها . ونحن نعيش اليوم قصة تلوث في ساكب ومن قبلها في المنشية وسط تغطية صحفية جادة علينا أن نتذكر أن عملا كهذا كان تحديا جبارا عام 1987 عندما نشرت الجوردان قصة تلوث المياه . وإذ تغيب شخصيات معارضة عن الإعلام ويغيب رأي المعارضة ، نتذكر أن من فتح الباب واسعا للمعارضة الأردنية عام 1989 كان الجوردان تايمز .
لم تبدأ الصحافة الأردنية بها ولا تنتهي بها لكنها ، بلا شك ، أعطت دفعة للصحافة الأردنية والعربية ، وهي اليوم تستحق التهنئة على ما قدمت ويستحق من عملوا بها الشكر والتقدير . وفي عيدها الثاني والثلاثين نتمنى لها البقاء على التقاليد والقيم التي أرستها في جو عاصف يصعب فيه الثبات عليها . اليوم نستغرب أن تضيق الصحيفة بزاوية للزميلة رندة حبيب في وقت ما كانت تضيق فيه يوما بليث شبيلات .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























