ظلمات غزة
كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 22 كانون الثاني 2008 الساعة: 10:04 ص
22/1/2008
ربما يكون الطفل الذي زارته قناة الجزبرة في غزة، أول من أمس، قد خرج من ظلمات الأرض إلى نور السماء طيرا من طيور الجنة. فهو يعيش على أجهزة التفس الاصطناعية التي تعمل على الكهرباء. وربما يكون يصارع الموت إلى اللحظة. لا أحد يعرف، لا أحد يهتم بالموت المبثوث على الهواء. ولا شيء يملكه الناس غير التوجه إلى السماء كما فعل نبيهم عليه السلام يوم خاطب ربه "إلى من تكلني إلى قريب يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري.. إن لم يك بك غضب علي فلا أبالي".
تتلاشى المؤسسات المعنية بحياة البشر من مؤسسات الأمم المتحدة إلى الصليب الأحمر إلى نشطاء السلام، فقد نجحت دولة الاحتلال في نزع صفة البشرية عن الفلسطينيين. فهم مجرد أرقام تنقص بفعل الحصار والدمار، قد يكون الحل في أحزاب الخضر المعنية بالبيئة وسلامة الحيوان. بحيث يرفق بهم كما يرفق بحوت جنح على الشاطئ أو طير في غابة محترقة.
سبق أن شخص الوضع أيهود بارك، وزير دفاعهم، عندما شبه بعنصرية فجة الإسرائيليين بمن يملك قصرا في غابة. فخارج السور ليسوا بشرا. منهم حيونات مستأنسة ومنهم وحوش ضارية. وما يوصف بالعالم الحديث يبدو وكأنه يتبنى الرؤية العنصرية. فمليون ونصف من البشر يعيشون بلا ماء ولا كهرباء ولا صرف صحيا ولا غذاء ولا دواء لا يعنونه. والأخبار عنهم كأنها تبث على "ديسكفري" وحوش هائمة تنجح طائرات الأباتشي في قنص بعضها في "قتل مستهدف" وقد يقع بعضها في الشباك.
وبما أنهم ليسوا بشرا تصبح القضية هي الصراع على السلطة. ولا يدان السفاح بل تدان الضحية. وأين البلد الذي ليس فيه صراع السلطة؟ حرام على حماس وفتح أن تتصارعا على السلطة وحلال على الفرقاء اللبنانيين! في كينيا زورت الانتخابات وتقاتل المختلفون بالسواطير، في أميركا ماذا يجري بين داخل كل حزب من الحزبين؟ ألا يختلف الديموقراطيون والجمهوريون على كيف يحاربون "الإرهاب"؟
فتح وحماس يختلفان على كيف تحاربان الإرهاب. كل حركات التحرر وقعت في نزاعات أهلية هل يعاقب الفلسطينيون لأن حركات تحررهم اختلفت. فوق ذلك من الذي أجج الصراع بين فتح وحماس وأفشل اتفاق مكة وعبر علانية عن امتعاضه منه؟ انها أميركا.
ليس تشويها لصورة أميركا المشوهة، ولكن هذا الحصار الإجرامي ما كان لولا الدعم الأميركي. عندما اكتسحت حماس الانتخابات قالت كوندوليزا رايس أنها لن تسمح بتكرار سيناريو حصار العراق. فذلك الحصار برأيها خدم صدام حسين وأضر بالشعب العراقي. ما الذي تغير على كوندي وجعلها تتبنى الحصار الإجرامي الذي يفوق ما تعرض له الشعب العراقي.
في العراق كان نفط وماء وخيرات على رغم الحصار الظالم، وكان يسمح بدخول وخروج الناس والمسؤولين وفي آخر سنوات نفذ اتفاق النفط مقابل الغذاء. ما يجري في غزة لا سابقة له في حياة البشر. وجريمة السكوت عليه لا تقل عن جريمة فعله. فهل سمع بوش الذي لم يجد أحدا يودعه غير العرب استنكارا لما يجري؟ يؤمل ذلك. فمقابل صفقات الأسلحة المليارية عليه أن يقدم شيئا. وعليه أن يعرف قبل المطالبة بخفض سعر النفط أن ثمة بشرا يعيشون بلا نفط. لن يخرج حماس من قائمة الإرهاب، لكن ليميز بين حماس تنظيما وبين الفلسطينيين بشرا. حزب العمال الكردستاني على قائمة الإرهاب، مثل حماس، لكن هل يسمح للأتراك بمعاملة الأكراد مثلما يعامل الفلسطينيون؟ مع أن حزب العمال يفعل أكثر من صواريخ القسام.
لا يفهم بوش بعد سبع سنوات عجاف من تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر "لماذا يكرهوننا؟" في عمان وعواصم العرب يهتف المتظاهرون والمعتصمون ضده احتجاجا على حصار غزة. هل يفهم؟ قبل الحادي عشر من سبتمبر، وفي أجواء انتفاضة الأقصى، قال لي ديبلوماسي أميركي "إننا لا نستطيع النظر في وجوه الناس". ولكنه اعتبر أن المشاعر لا تحرك السياسات. بعد التفجيرات تبين أن المشاعر تتحول إلى فعل مجنون.
نجح شارون بعد الحادي عشر من سبتمبر في الدمج بين الحالين الأميركية والإسرائيلية، وحول الغضب الأميركي تجاه العرب والمسلمين. فكلاهما ضحايا الإرهاب الإسلامي سواء كان القاعدة أم حماس. وإلى اليوم تسير السياسة الأميركية وفق هذه الرؤية. وهي التي قادت أميركا إلى مزيد من الكوارث بدلا من أن تنقذها. وما يجري في غزة تدفع ثمنه دولة الاحتلال وحليفتها أميركا بقدر ما يدفع ثمنه الضحايا الفلسطينيون.
من ظلمات غزة ثمة نور تدركه أبصار الناس في عالم العرب والمسلمين. شاهد الناس شابا في عمر الورود هو ابن محمود الزهار وزير الخارجية المقال يقابل الموت بابتسامة. واحد من عشرات سقطوا الأسبوع الماضي يصرون على المقاومة. ويرفضون الرواية الإسرائيلية باعتبارهم "غابة " لا وطنا. لا تفرق الرواية الإسرائيلية بين فتح وحماس، وهي كما اغتالت أحمد ياسين اغتالت ياسر عرفات. أكثر من ذلك وتذكيرا بالضيف الذي ودعته المنطقة، فيهودية الدولة تعني أن لا فرق بين فلسطينيي غزة وفلسطينيي 48. وهو ما أعلنه مسؤول اسرائيلي أن "بركة والطيبي أخطر من مشعل ونصرالله"، فهما يهددان نقاء الدولة اليهودية مع أنهما عضوا كنيست.
يكثف المشهد المظلم في غزة حقيقة الصراع. ففي الأرض الممتدة من البحر إلى النهر لا يقبل إلا بعرق واحد عبر عنه بوش صراحة "يهودية الدولة" وما عداه يكافحون بكانتونات وسجون ولا شيء غير الدمار والحصار لأهل الغابة الذين يزعجون سكان القصر. وما لا يدركه سكان القصر أن العالم غدا غابة واحدة بلا حدود لا أسوار فيها مهما علت. ولا يهنأ أحد على حساب الآخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 22nd, 2008 at 22 يناير 2008 11:34 ص
اخ ياسر بعد التحية نستميحك عذرا بنشر مقالك على موقع الشبكة وطن نت
http://WWW.WATANNET.NET
يناير 22nd, 2008 at 22 يناير 2008 7:20 م
أرجوكم : لا أريد أحدا يكلمني عن غزة !
والسب ، في ادراجي
يناير 26th, 2008 at 26 يناير 2008 2:38 م
السلام عليكم
ربما يكون الصمت أبلغ لهذا سأصمت