لم تكن أسوار رفح المنهارة على يد المستضعفين في الأرض أسوار القدس التي تدك على يد الفاتحين الذين يدخلون المسجد كما دخلوه أول مرة. فلا صلاح الدين فاتحا؛ إنها بوابة صلاح الدين وحسب. إنها ثغرة في جدار بناه المحتلون "بالعرق والدماء" قدمت نصرا لجميع الأطراف العربية معتدلها الشاكي من تعنت أولمرت قبل مقاومها المنادي بالتحرير من البحر إلى النهر.
ومثل الثغرات التي يفتحها المساجين في خطط الهروب الناجحة تجد من يشكك فيها. فتطاول العهد على السجين يجعله مؤمنا بأن الأصل هو الإقامة بين الجدران، ولو فتحت ثغرة فإن إيمانه لا يتزعزع ويبقى منتظرا عودة الجلاد تاركا رفاقه ينعمون بالحرية، وهو في شقائه مقيم.
من في خارج السجن يرون الصورة أوضح؛ عنونت الديلي تليغراف (وهي ليست تلفزيون الأقصى التابع لحماس) انهيار جدار برلين غزة. وهي نظرة تتفق مع ما ذهبت إليه النيويورك تايمز (الأميركية!): "عندما قامت "حماس" بتنفيذ تفجيرات لفتح ثغرات كبيرة في حدود غزة مع مصر، متيحة لآلاف الفلسطينيين فرصة للانقضاض على الأدوية والطعام والسلع الاستهلاكية، فإنها فتحت في الوقت ذاته ثغرة كبيرة في السياسية الإسرائيلية المدعومة من واشنطن، والقائمة على اعتصار سكان غزة على أمل أن يتحولوا بقوة ضد حماس".
أما عميرة هاس، المراسلة الصحافية للشؤون الفلسطينية، فكانت أكثر دقة وإنصافا في قراءة سقوط الجدار عندما اعتبرته: "خليطا سليما من التخطيط والقراءة الدقيقة للخارطة الاجتماعية والسياسية من جانب حكومة حماس والاستجابة الجماهيرية لهذا التحدي ضد املاءات الحاكم الاعلى، اسرائيل". وتضيف "غير قليل من الناس عرفوا في رفح بانه منذ بضعة اشهر يضعضع "مجهولون" اسس السور سرا كي يكون ممكنا في اللحظة المناسبة اسقاطه بسهولة –ولكن السر لم يتسرب. مئات الاشخاص الذين بدأوا بالخروج فور اقتحام السور الى خارج رفح الفلسطينية فعلوا ذلك رغم الخطر ورغم سوابق اطلاق النار المصرية على مقتحمي الحدود. القيادة والجمهور في غزة، كجزئين من الشعب الخاضع للاحتلال كانوا شركاء في هذه الخطوة الشجاعة واللازمة لتحطيم قوانين اللعبة الاسرائيلية. اسقاط السور هو تعبير واضح على التفكير والمزاج لتمرد شعبي قائم لدى الشعب الفلسطيني، ولكنه قمع في السنوات الاخيرة لاسباب مختلفة".
يبدو موقف حماس مفهوما، لكن كيف تقبله المصريون، النيويورك تايمز تفسر ذلك: " شكلت تكتيكات حماس المتسمة بنزعة المواجهة، وهي (حماس) الفرع الفلسطيني من جماعة الإخوان المسلمين المصرية المعارضة والمحظورة، شكلت عقبة صعبة للرئيس المصري حسني مبارك. ذلك أن محنة الفلسطينيين، خاصة أولئك في غزة، تظل قضية عاطفية عميقة بالنسبة للمصريين والعرب الآخرين، وهي قضية غالباً ما يدعمها، بل ويستغلها الزعماء العرب والمحطات الفضائية العربية، مثل الجزيرة، أحياناً".
لا يرى بعض السياسيين العرب والفلسطينيين أن "الفضل ما شهدت به الأعداء"، ويركبون رؤية خاصة بهم، تخلص إلى أن ما جرى في غزة هزيمة وكارثة يتولد عنها - مثل أفلام الرعب- كارثة أخرى في الضفة الغربية. كيف؟ إسرائيل تريد ترحيل مشكلتها في غزة إلى مصر، وقد نجحت. وتسعى إلى ترحيل مشكلتها في الضفة الغربية إلى الأردن! والحل الضمني في هكذا تحليلات هو مواصلة خنق حماس وضربها لوأد كارثة غزة وتجنب تكرارها في الضفة.
ولا يدرك أصحاب التركيبة هذه أن سنة ونصفا من خنق غزة لم تزعزع سيطرة حماس، بل على العكس؛ يقول شلومو أفنيري، وهو عالم سياسة في الجامعة العبرية: "إن كامل نظرية ممارسة الضغط على السكان ليمارسوا الضغط على حكومتهم لا تجدي. إنها لم تنفع في لبنان عام 2006، ولم تنفع الآن".
وكانت تلك السياسة قد تعرضت للشجب من جهة الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بوصفها "عقاباً جماعياً" وبوصفها غير مشروعة وفق القانون الدولي. ويقول أفنيري لصحيفة نيوروك تايمز: "سواء كانت (هذه السياسة) ضد القانون الدولي أم لا، فإن الحقيقة هي أن تلك السياسة لم تنفع". ويضيف: "لقد ارتكب باراك خطأ حين اعتقد بأنها سوف تقلب الناس ضد حماس، لكنها فعلت العكس". وما فات الخبير الإسرائيلي هو التذكير بالحصار الذي فرض على العراق لأكثر من عشر سنين، ولم يسقط النظام بل قواه.
ولعل أغرب تفسير عربي لما شهدته غزة، ما نشره الإعلامي داود كتاب، فهو اعتمد على استطلاع يقول أن شعبية حماس تراجعت إلى 15 في المائة. بمعنى أن السياسة الإسرائيلية الأميركية نجحت. وبمعزل عن صدقية الاستطلاع وعلميته يمكن عكسه فاستطلاعات الرأي الإسرائيلية المشهود بعلميتها ونزاهتها وضعت أول من أمس شعبية أولمرت في حدود 12 في المائة فهل يمكن اعتبار ذلك نصرا لحماس؟ وماذا عن الاستطلاعات التي نسفت الرئيس الأميركي غير مرة؟
لا يتوقف الكاتب في محاولة تسويق رواية عربية مقبولة اسرائيليا وأميركيا عند تجاهل حقائق الواقع، بل يتجاهل التاريخ أيضا. فحركة حماس نشأت برعاية إسرائيلية في غضون البحث عن بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية! وينسى أن جذور الحركة الإسلامية تضرب في فلسطين أبعد من ذلك كثيرا. ولا يجهل كاتب مثله أن حركة فتح كانت متهمة من عبد الناصر كما يروي هيكل بأنها ذراع للإخوان المسلمين. فأبو عمار وأبو إياد وأبو جهاد وأبو يوسف النجار وهاني الحسن وأبو مازن وغيرهم كانوا إخوانا مسلمين. وتحولوا إلى الحركة الوطنية بعدما وجدوا أن إطار الحركة الإسلامية لا يلبي طموحهم القتالي. فالشعب الفلسطيني ليس عملاء يبحثون عن عمل لدى المحتل، بل هو مثل شعوب العالم تهمه لقمة العيش ويهمه أكثر كرامته الوطنية. ولو أن حماس تخلت عن المقاومة لأنجب حركة أخرى تقاوم.
لا يجوز التهويل من منجزات المقاومة في فلسطين وفي لبنان، لكن خطأ التهوين من شأنها أكثر فداحة. شهادة أخرى بعد فينوغراد من ناحوم برنياع، في صحيفة يديعوت أحرنوت، "ليس لنا وسيلة لأن نحسم الحرب لا ضد حزب الله ولا ضد حماس في غزة، ولا بالاثمان التي يفترض بنا ان ندفعها. حيال السلاح الصاروخي لمنظمة الارهاب فإن الجبهة الاسرائيلية الداخلية محكوم عليها ان تتلقى الضربات حتى لو كان على رأس الحكومة اولمرت او نتنياهو، ليفني او براك. هذا هو الموجود".
يألم الإسرائيليون مثل ألم الفلسطينيين، هم في حرب والمجتمع منقسم والجيش مهزوز، يحسن بالفلسطينيين الاستماع لنصيحة عميرة هاس مراسلة صحيفة هآرتس "محمود عباس التقى مع ايهود اولمرت دون شروط في نهاية اسبوع فرضت فيه اسرائيل حصارا وحشيا اكثر من أي وقت مضى على غزة. ولكنه لا يستطيع أن يتحدث مع اسماعيل هنية دون أن يقبل الاخير شروطه المسبقة؟ هذه المقاطعة تساهم في القطيعة التي تنكب عليها اسرائيل جدا لتعميقها. وكلما تأخرت المحادثات المباشرة بين القيادتين على السبل العملية لرفع الحصار عن غزة، يتعاظم التخوف في أن حكومة رام الله، كما تدعي محافل في حماس، تنصت للولايات المتحدة واسرائيل وليس لارادة شعبها".
لا يجوز إغماض العينين لإثبات العتمة وإنكار النور الذي فتحته كوة في الجدار، ما حصل هزيمة – ولو مؤقتة- لمشروعي الاحتلال والتقسيم، وعلى خصوم حماس أن يتحلوا بشجاعة الحكيم جورج حبش الذي كان خبر هدم الجدار آخر خبر سار سمعه. وبحسب نائبه ماهر الطاهر فإنه تلقى الخبر بتفاؤل وسرور، وقال له في آخر ما نطق في دنيانا: إن هذا مصير كل الحدود والجدران.
كتبها ياســــر أبو هلالة... في 08:57 صباحاً ::
بارك الله فيك و بورك البيت الذي رباك
السيد ياسر أبو هلالة المحترم
تحية طيبة وبعد ...
اقرأ كل ماتكتبه عبر الغد أو في الموقع ولكن لايوجد الوقت الكافي لمناقشة كل ماتكتبه أتمنى لك كل التوفيق في كل ماتكتبه لتحفيز الضمائر التي طالت غفوتها في هذا العالم. كنت قد قرات قبل عدة أيام كتابا صغيرا بعنوان " ثلاثة ينتظرهم العالم : المهدي المنتظر, المسيح الدجال, المسيح عيسى عليه السلام" للمؤلف حمزة الفقير وقد جاء في احد النصوص التالي:
"عن حذيفة رضي الله عنه قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لاتزالون بخير ما لم يكن عليكم أمراء لايرو لكم حقا الا إذا شاءوا".
فمن الذي أعطى لهذه الفئة صكا تعتبر بموجبه أموال الأمة ومقدراتها ملكا شخصيا لهم فهم السادة والأمة كلها عبيد تعيش على فتاتهم وما يرونه لها من بقايا موائدهم, وليس في الأمة من يجرؤ على محاسبتهم ورحم الله أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه.
فعن أبي قبيل عن معاوية رضي الله عنه انه صعد المنبر يوم الجمعة فقال في خطبته إنما المال مالنا والفيء فيئنا فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه فلم يجبه احد فلما كان في الجمعة الثانية قال مثل ذلك فلم يجبه احد فلما كان في الجمعة الثالثة قال مثل مقالته فقام إليه رجل ممن حضر المسجد فقال كلا إنما المال مالنا والفيء فيئنا فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا فنزل فادخله معه فقال القوم هلك الرجل ثم دخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير فقال معاوية للناس أن هذا أحياني أحياه الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "سيكون بعدي أمراء يقولون ولايرد عليهم يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة". واني تكلمت أول جمعة فلم يرد علي احد فخشيت أن أكون منهم ثم تكلمت في الجمعة الثانية فلم يرد علي احد فقلت في نفسي أني من القوم ثم تكلمت في الجمعة الثالثة فقام هذا الرجل فرد علي فأحياني أحياه الله".
الم يحن الوقت للشعوب أن تنبه وتغير سياسة حكوماتها لما يحدث من مأساة وقتل ودمار في بعض الدول العربية أم لم يحن الوقت لذلك؟. معاوية الذي يشتم من بعض المسلمين وهو بهذا الخلق كيف بالمسؤلين في هذا الزمان وهم يجعلون أصابعهم في آذانهم ويستغشوا ثيابهم عمي صم بكم لكل مايحدث في العالم العربي. وأحب أن أصور اجتماعات الحكام والمسؤلين بالصورة التالية:
عندما تحدث أي مأساة في العالم العربي تبعث عدة تذاكر سينمائية لؤلئك المسؤلون من قبل صانعة الحدث أمريكا وإخوانها للاجتماع في دار السينما اقصد جامعة الدول السينمائية لمناقشة الفلم الفلسطيني أو العراقي أو اللبناني... حسب الفلم الذي تم إنتاجه في تلك الفترة وإبداء الملاحظات على الفلم بإصدار عدة بنود ثم ينتهي النقد بسلام وابتسامات بروتوكولية من هذا وذاك أمام الكاميرات والأضواء على أساس انه تم مشاهدة الفلم وتم التعليق عليه اقصد مناقشة الحدث المأساوي فتبدأ بعدها فترة الأكل والمقبلات ويذهب كل من أتى إلى داره يزاول حياته طبيعيا وينعم بما تفضل عليه الله من منصب ومال وقد يقولون في أنفسهم المثل المصري عملنا اللي علينا والباقي على ربنا. أتمنى أن يكون بيننا اليوم معاوية وأتمنى أن يكون بيننا اليوم أيضا الرجل الذي عارض معاوية مع الأسف لم يذكر اسمه وهو أفضل من الكثير اللذين نعرف أسمائهم في هذا الزمن.
لك كل الاحترام والتقدير
نور
عزيزي أبو علي أسعد الله صباحك بكل الخير
لن أضيف تعليقا على ما ورد في مقالك ، ولكني أردت أن احييك على دقة التحليل وموضوعيته ، وعلى تفنيد العناصر المكونة للحدث وإعادة تكوينها وفق رؤية تنطلق من الإيمان بالحق والحقيقة عل الذين يحاولون قراءة الحدث ومكوناته برؤية مقلوبة يتنبهون إلى ما يقترفون من خطايا
احييك مرة أخرى ولك كل الحب
محمد العبدالله - دبي
الاسم: ياســــر أبو هلالة...
