ياسر أبو هلالة بريشة حازم صاغية

كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 27 تشرين الثاني 2005 الساعة: 07:34 ص

هذه مقالة كتبها الكاتب اللبناني حازم صاغية وهو من أبرز معلقي صحيفة الحياة اللندنية , وهي ترسم صورة لي عام 1996 . ضمن سلسلة عن التحولات التي شهدها الأردن في ذلك العام . لا أدري

كم تغيرت بعد زهاء عقد من الزمان .

 


 

ت .م :1996-04-18 ,ت .ه :1416-12-01
العدد :12107 ,الصفحة :18





محاولة الأردن الصعبة .حين اكتشف ياسر أبو هلالة العالم خارج «الاسرة »الاخوانية (4

الكاتب :حازم صاغية

بعد ان تناولت حلقة الأمس الاسلاميين الذين يصلون دائما على النبي، هنا التتمة :

ياسر أبو هلالي، المولود في عمان في 1969، لأسرة تنتسب الى شريحة دنيا من الطبقة الوسطى، يلخص جيلا من الاخوان المسلمين الشرق أردنيين .هو اسلامي يحرص على اسلاميته ويعتز بها، لكن أصدقاءه الاسلاميين يمازحونه فيتهمونه بـ …الليبرالية .أما بيئة الصحافيين في «جوردان تايمز »الناطقة بالانكليزية، فتعامله كصديق من أهل البيت، وتتعرف من خلاله على اسلام رحب ومتسامح .وهو، بدوره، يحافظ على العادات والتقاليد التي ألفها وآمن بها، ولا يجد غضاضة في ان يتسامح مع العادات المختلفة لأصدقائه «الليبراليين »كما يسميهم :هذا يمكن ان يتعايش مع ذلك، يقول ياسر، شريطة ان لا يحاول أي منهما فرض نفسه على الآخر .
وسلوك أبو هلالي، سكرتير التحرير الحالي لمجلة «السبيل »الاسلامية، يستند دائما الى أفكار يعتنقها ويعبر عنها .والثابت عنده في السياسة شيئان، ما عداهما متحول :مصلحة الأردن واستقراره، والنظر بايجابية الى الناس المختلفين .فالاسلام، لديه، يبدأ بخدمة تلك المصلحة، ومحاولة التغلب على المشكلات بالتي هي أحسن، أي، أولا وأخيرا، بالبعد عن العنف .أما الناس فليس المطلوب ان يكونوا اسلاميين كي يكونوا صالحين .اما اذا كانوا صالحين واسلاميين معا، فهذا أفضل .
غير ان التجربة هي العنصر الأهم في تشكيل ياسر .وهذه التجربة علمته، قبل كل شيء آخر، أهمية الدولة :في طفولتي، يقول، عاشت العائلة على تقاعد الوالد والوالدة، وحين دخلت الجامعة درست بمنحة حكومية من وزارة التعليم العالي .هذه قصة ياسر التي تطمئن الى احتمالات ايجابية تواكب محاولة الأردن الصعبة .
«اسلام البيت قائم دائما ومرن دائما .والدتي تقود سيارتها وهي محجبة .والدها كان ضابطا في الجيش مع الانكليز .أما الوالد، فمؤمن، وفي الغالب انتسب الى الاخوان .كان يقوم بواجباته الدينية من دون تزمت، وهو الذي شجعني في طفولتي على الصلاة وحفظ القرآن .
مع هذا تطرفت، في طفولتي المتأخرة، اكثر من أبي، ورحت، أحيانا، أتهمه بضعف اسلامه .بعد فترة قصيرة، وأنا في أواخر الطفولة، بدأت أحس اني اعادي البنات وأكرههن، ولا ألعب معهن لأنهن «فاسقات ».جعلت أطلب من خالاتي ان يرتدين الملابس الشرعية حتى حين يكن معي وحدي .الموسيقى صرت أكرهها وأرفض الاستماع اليها .والدي، الذي كان يعمل آنذاك في السعودية، كان يرسل الينا احيانا اشرطة تسجيل، أحس انها الدليل على تراجع اسلامه .أزعجني ان أبي المتدين يسمع الموسيقى، ويطالبني بأن أهتم، في المدرسة، بتحسين لغتي الانكليزية .عمتي، مرة أرادت ان تشاهد صباح على التلفزيون، فأقفلت التلفزيون برعونة، محاولا منعها، فضربني أبي وعنفني .السينما رفضت الذهاب اليها .حتى فيلم «الرسالة »لم أره لأن شيخا قال لي ان الممثلين الذين يلعبون دور الصحابة كفار لمجرد تمثيلهم هذا الدور !
فزت بجائزة حفظ القرآن وأنا في الابتدائي الرابع، وما لبث والدي ان توفي .الألعاب ومجالات السلوى كانت قليلة، لكن الهيئة التي تشكلت في المسجد تحت اسم «دار القرآن »عو ضت عني بعض هذا .ذهبت معهم في رحلة وأنا صغير جدا إذاك .المشرفون على «دار القرآن »تطوعيون متفانون، طلاب جامعة …تشعر بأهميتك وأنت جالس معهم، هم الذين أفهم منك وأكبر .أحدهم سوري اسمه الحركي «أبو عبادة »، سلمه الأردن، فضلا عن آخرين، الى دمشق، فأعدم .النظام الأردني لم يكن يتوقع ان يصل العقاب الى مثل هذا الحد .هذا ما جعل الحكم السوري هو «العدو الأول »في عرفي، أما عبدالناصر فبقي الشخصية العامة الأولى التي حظيت بكراهيتي .
بت أشعر اني عن طريق العلاقات التي أنسجها في الجامع، أقع على من يدرسني، ومن يلعبني .حياة الجامع كانت غنية وممتعة .كان مشهد السجاد الممدود بهيا، وكانت المخيمات التي يعدها «دار القرآن »متنوعة جدا :ننام في خيمة واحدة نحن الشبان الصغار، ونتثقف بالاسلام، ونتدرب على الكاراتيه، ونلهو .امرأة خالي كانت تقول لأمي :«خلي ياسر ياخد ولادي للجامع حتى ينضبوا ».وحتى الجيران المسيحيون كان يريحهم ذهاب أولاد الحي الى الجامع .
مرة زرت السعودية حيث التقيت أصدقاء أبي من الاخوان .اهتموا بي وزودوني هدايا قيمة لي ولأخوتي وأمي .أصدقاء أبي كانوا محترمين جدا، أحسست معهم ان لي عائلة أخرى، ولو رحل أبي .
مع اجتياح لبنان تعاطفت، أنا ومجايلي من الاخوان، مع المقاومة الفلسطينية، لكن شاغلنا الدائم كان أن النظام السوري هو الذي يمنع الحالة الاسلامية من ان تحرر فلسطين .كانت الأولوية لقيام دولة اسلامية في سورية تستطيع وحدها ان تحل مشاكل المنطقة اسلاميا .أما في الأردن فنظرنا الى انفسنا كمجرد رئة للحركة الاسلامية التي في المحيط .لم تكن لدينا مشكلة مع الملك .لم نكن معنيين بالأمر .
في «الأسرة »، وهي الخليلة الاخوانية، تغلبت على خجلي :كانوا يكلفونني، كما يكلفون غيري، تحضير دروس وتلاوتها ومناقشة الآخرين فيها .ومع انتقالي الى كلية الحسين، أكبر مدارس عمان، في 1984، رأيت التنظيم الطلابي الاخواني مسيطرا، مع قليل من اليسار وقليل من المخابرات …اليسار كان فلسطينيا فاقعا .في هذه المدرسة، وقبلها في مدرسة الأقصى، كان ثمة اهتمام ملحوظ بتعليم الانكليزية في التوجيهي والجامعة .لكنني نظرت اليها كلغة معادية، ولا اعرف كيف نجحت، ربما بالحظ .وفي الحالات كافة، أنا لم أكن أدرس .كنت أقضي الوقت في الجامع .
في جامعة اليرموك التي انتسبت اليها في 1980، لدراسة اللغة والفقه، نظمت عددا من الطلبة في الجماعة .لكني، من جهة اخرى، وجدت نفسي أمام المرأة مباشرة :الطالبة تجلس قربك في بعض الصفوف، وتسألك عن الدرس من دون استئذان .ومع هذا كنت أصد البنات اللواتي أردن ان يطلن الحديث معي .لم أكن أحب ان أخوان ديني وأقع في متناقضات أو في احتمال انحراف .كنت أعرف طلابا متهتكين وأخشى الانجراف فأصير مثلهم .كنت بارزا ويحترمني الاساتذة .حتى الاخوات في ا لتنظيم لم تكن بيننا وبينهن أية صلة، فطبيعة التنظيم تقوم على الفصل …كذلك تعرفت على الافكار الغربية لأول مرة، ولو مترجمة .وتعرضت لاهتمامات لم أعرفها قبلا عن «النص »و «البنيوية »و «الاستشراق ».هذا كله وسع مداركي .الفكر النقدي الغربي اعجبني :لا قداسة في العلم، خصوصا ان المدرسين في الجامعة من خريجي أميركا كانوا هم بدورهم متدينين .اكتشفت هناك ان الدين نظرية للغيب، فيما العلوم لحياتنا .قراءاتي لاسلاميين مجددين كعبدالله النفيسي وراشد الغنوشي وحسن الترابي أثرت في أيضا .وقرأت، آنذاك، لحسن البنا «مذكرات الدعوة والداعية »فلفت نظري احترامه لمؤسسات المجتمع كاستعماله تعابير «جلالة الملك »و «غبطة البطريرك »، كما لفتني انه سكن عمارة فيها طابق يسكنه يهودي وطابق يقيم فيه مسيحي .كذلك صدمني التنوع السياسي للطلبة في الجامعة :شيوعيون، بعثيون، جبهة شعبية الخ …
«هبة »معان في نيسان (ابريل )1989 طرحت علينا مسألة المشاركة في الانتخابات .كنت قبلا قرأت كتاب محمد قطب «واقعنا المعاصر »الذي قال فيه انه لا تجوز المشاركة في الانتخابات لأن البرلمانات جاهلية .الواقع شيء آخر، ومع العمل للانتخابات كان لابد من الخروج من نشاط «التجنيد »الداخلي الى نشاط الاستقطاب في الخارج .كان علي ان احتك بالجمهور وأحاول اقناعه كي يصوت لمرشحينا .كذلك بات لابد من التفكير بالصحافة وكتابة المقالات التي تخدم هذه الوجهة .«الاسلام هو الحل »لم يعد كافيا في الجواب عن اسئلة تفصيلية وملحة .اضطررنا لأن نفكر .
في أربد كنت أوزع بيانات وأناقش الناس واكتشف انهم يحترموننا، وانه لا داعي للمخاوف والتخويف .وكنت أحضر مهرجانات انتخابية للأطراف الاخرى، ومرة حضرت مهرجانا للشيوعي يعقوب زيادين .وجدت ان الاخوان أبسط منهم كثيرا .هم يصفون زيادين بـ «المناضل »و «الرمز »و «الرائد »الخ …نحن لا نمارس هذه الطقوس الستالينية مع اي كان .كذلك، بعد القاء خطابه وقفوا جميعا وصفقوا له بلا انقطاع .كان خطابه، في رأيي، كلاما بلا معنى عن الخبز والحرية .رفعت يدي فلم يتيحوا لي الفرصة .ذهبت اليه وسألته مباشرة :«لماذا نقابة التضامن العمالية في بولندا أسقطت الشيوعية؟ ».قال لي :سؤالك مهم .مر علي في عيادتي وهناك نتناقش .وفعلا ذهبت واكتشفت ان الرجل الكبير السن طيب ومحترم ويحب الناس، وقد ضحى بالكثير في سبيل ما يؤمن به .كيف، يا ترى، يمكنني ذات يوم ان أقتل هذا الشخص الطيب؟
وتفاجأت مرتين :مرة لأن الشيوعيين ليسوا في السؤ الذي ظنناه فيهم، ومرة لقلة معرفة زيادين بسيد قطب وأفكار الاسلاميين .هم لا يعرفوننا أبدا، ونحن كذلك لا نعرفهم .الشيوعية كانت دائما عدوا كبيرا وقبل أميركا .تجربة افغانستان ودور الشيخ عبدالله عزام أثرا .أعرف كثيرين قاتلوا في افغانستان .أما أميركا، وهي أيضا عدو، فأعرف كثيرين ممن تخرجوا منها وأحبهم .
الاخوان باتوا يخوضون العمل الانتخابي المفتوح في الجامعة كما في الأردن ككل، وانفتح أمامي مجال جديد هو الندوات التي تعقدها مؤسسة شومان والمركز الثقافي الملكي في عمان .الاخوان انفسهم باتوا يعقدون الندوات العامة، وظهرت طريقتان مختلفتان في التفكير الاسلامي المتداول :الطريقة الاخوانية القديمة، والأفكار الجديدة لحسن الترابي وراشد الغنوشي وفهمي هويدي وغيرهم .أحسست، أنا واخوانيين آخرين من جيلي، اننا أقرب الى الطرف الثاني .
مع أزمة الخليج كنا، كاخوان، ضد صدام .لكن عاملين أثرا :عداء الشارع لاميركا واسرائيل، ودور الاخوان السوريين المقيمين في العراق .وأقيمت في مركزنا العام ندوة شارك فيها الغنوشي والترابي حيث اعترض التقليديون على قول الأول ان تراثنا بحاجة الى المراجعة، فيما وجد من يعترض على هذا الا عتراض .لكن حين سألت الشيخ راشد :هل تؤيد الجزائريين اذا جاؤوا لاحتلال تونس، أجاب :لا أطلب منهم الا اعلامي كي استقبلهم، مضيفا ان علينا النظر الى وجهة البنادق .كان هذا النظر كارثة على الجميع، كما تبين .
في أيام الجامعة بت أقرأ الصحف كلها التي كان يتعذر علي شراؤها .وآنذاك كتبت ردا على كاتب يساري في جريدة «صوت الشعب »واستغربت ان ينشر مقالي .هذه فضائل الديموقراطية اذن !كذلك كتبت ردا على صحافي أردني معروف تناول المشكلة الجزائرية، وسلمت الرد اليه ففوجئ بصغر سني، ووعدني بنشره كاملا .عاملني باحترام شديد وسقاني الشاي ثم ودعني وأوصلني الى الباب .وفعلا نشر المقال كاملا .اذن الناس ليسوا أعداء الى الحد الذي تصورته .
مع الديموقراطية كان لا بد ان يهتم الاسلاميون بالصحافة، فأنشأوا جريدة «الرباط »الأسبوعية التي عملت فيها، الى جانب عملي في التدريس .الصحافة فتحت لي افقا جديدا حيث أصبحت متابعة الحدث السياسي هما مقيما .لكن «الرباط »كانت ضعيفة مهنيا، وهي ما لبثت ان توقفت مع صدور قانون المطبوعات في 1992 .ومع تأسيس «جبهة العمل الاسلامي »أرادت الجبهة ان يكون لديها صحافي متفرغ، فعملت هكذا معها .وأردنا تأسيس صحيفة ووجدنا اسلاميا من اعضاء نقابة الصحافيين هو حلمي الأسمر الذي أضحى رئيس تحرير «السبيل »، وأنا سكرتير تحريرها .
كان لابد من التعامل مع صحافيات زميلات كأن نتناقش في الاخبار أو نتناول القهوة معا .رحت اتعامل معهن بشكل عادي :أرتب موعدا صحافيا لزميلة، أو أمازحها .وفي عهد حكومة عبدالسلام المجالي كنا مهتمين بتشكيل رأي عام يفهمنا ويدعمنا .الصحافيون الأجانب ساعدونا في ما كتبوه دفاعا عن الحريات والديموقراطية .بعض الاسلاميين كان كل همهم شتم الصحافيين الاجانب من دون معرفة بهم .لكني اكتشفت ان بناء الجسر معهم مهمة سهلة، وانه عن طريق الاحتكاك والتعارف والسجال نعرف بعضنا البعض، بدل ان نتقاتل ونتبادل الحذر والشكوك .الجهل بالآخر هو ما يجعل المرء متطرفا، فحين تعرفه تتغير .طبعا لابد من التنازلات المتبادلة بين كل طرفين اثنين، ولابد من مراعاة الحساسيات القائمة عندهما .ومن خلال الصحافة تعرفت الى السياسيين والنواب والوزراء، واكتشفت ان غالبيتهم الساحقة أبسط كثيرا من الشرور التي تنسب اليهم في العادة .كذلك بت اعرف ماذا تعني آلية صنع القرار بخياراتها الضيقة أحيانا وبالمسؤوليات التي قد تترتب عليها .صرت اعرف ماذا تعني موازنة الدولة وكيف يتم اطعام الناس، فالتحدي الاساسي ليس دائما :من يصلي أكثر؟
اما بالنسبة للاسلام، فأعرف الآن ان الكتاب والسنة هما الثابت، والباقي خاضع كله للتفكير .اسلامي الآن اختلف عن اسلامي بالأمس، وربما اختلف اسلامي في الغد عنه، والله أعلم ».

الموضوع :عموميات

 

 

 

 

 


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عن ياسر أبو هلالة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “ياسر أبو هلالة بريشة حازم صاغية”

  1. السلام عليكم والرحمه
    ارى ان هناك ما يجمعني واياك وهو اننا نحتاج لكي نجتاز صعوبات الحياه بنجاح ان نشق الحياة وان نحفر فيها باسناننا ونواجذنا
    ادعوك لزيارتي على البلوج islamic
    اوعلى بريدي nebary@maktoob.com
    او على الوصلهhttp://www.maktoobblog.com/nebary



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر