الدم المراق من القاهرة إلى بغداد

كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 31 كانون الأول 2005 الساعة: 16:32 م

لو أن معتوها ألقى بمتفجرة شعبية على حافلة سياح في مصر، فأودى بحياة سائح هولندي وجرح ثلاثة من المارة، ماذا كان سيحدث؟ تلفزيونات العالم ستقطع بثها المعتاد، وتبدأ بالنقل المباشر؛ الأنظار تتجه إلى البيت الأبيض، وبوش يتابع عن كثب، ويشدد على مواقفه المعروفة في الحرب على الإرهاب، ويعرض تقديم الإمكانات كافة خدمة للتحقيق؛ المسؤولون المصريون يعودون زوجة السائح في المستشفى، ويجددون التزامهم بتعقب القتلة والقصاص منهم، شيخ الأزهر يعلن أن القاتل في النار، والمقتول في جنان الخلد، لجنة السياسات في الحزب الحاكم تطالب بوضع تشريعات جديدة لمكافحة الإرهاب.

في غضون ذلك، يتحدث منتصر الزيات، خبير الجماعات الإسلامية، على الفضائيات عن الجيل العاشر من جماعات الجهاد؛ ورئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته يعلن عن ضبط قوات العقرب لوثائق في وكر للقاعدة تكشف عن صلة القاتل بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، داعيا المسؤولين المصريين إلى لجم الإعلام المتعاطف مع الإرهابيين. هذا ملخص للتغطية المتواصلة لمقتل سائح هولندي.

بعيدا عن “لو” التي تفتح بابا للشيطان، يمكن ملاحظة الفارق بين المتخيل السابق والواقع الذي شهده حي المهندسين في القاهرة أول من أمس. عشرة سودانيين على الأقل، بينهم أطفال، يقتلون في فض اعتصام عمره ثلاثة أشهر! المعتصمون لم يطالبوا بتنحي الحزب الحاكم، وليسوا من الإخوان المسلمين، ولا من حركة كفاية؛ إنهم ضيوف على مصر، يضغطون على المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وقد يكونون مبالغين في طلباتهم، كما قد تكون حكومتهم مقصرة، لكن لا يوجد ما يبرر هذه المجزرة البشعة، ولا البرود الذي ارتكبت به، واللامبالاة التي تلتها. فرئيس الوزراء يواصل مشاوراته لتشكيل الحكومة الجديدة، وربما يحافظ فيها وزير الداخلية على موقعه!

المأساة تكشف بؤس الإنسان السوداني في بلده ومهجره؛ فهو لم يغادر بلد النيلين لولا الفاقة الاقتصادية، والفشل الذريع للدولة التي لم تتمكن من تلبية ضرورات المواطن المعيشية، ولا أشواقه في الحرية والهوية. وقد بدا فشل الدولة جليا في تعاملها مع مأساة مواطنيها في مصر. ولو كانت دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة، لتعاملت مع اللاجئين بنفس المستوى الذي تعاملت فيه مع ديبلوماسييها المختطفين في العراق. 

تدهور حقوق الإنسان ليس جزئيا يتعلق بالحقوق السياسية، بل شامل لا يترك حتى الضيوف الذين لا يطالبون بحقوق سياسية؛ ولولا فقرهم وبؤسهم، لما ولجوا أرض مصر “آمنين”!  الازدواجية في التعامل مع دماء البشر لا تتوقف على الدم السوداني “الرخيص”، إذ ثمة دم قد يكون “أرخص”، وهو الدم العراقي. فقبل يوم من مجزرة السودانيين، كشف الإعلام عن مقتل عدد من السجناء العراقيين في سجن “العدالة” (هكذا اسمه!) التابع لوزير الداخلية بيان جبر، الذي اتهمه السفير الأميركي بالطائفية، وتواترت أخبار التعذيب في سجونه من الجادرية إلى ساحة النسور وصولا إلى “العدالة”. طبعا ثمة فارق كبير بين دولة مثل مصر، تعتبر قائدة العالم العربي ويمسك فيها النظام بتلابيب السلطة بقبضة من حديد، وبين دولة العراق المتشظية طائفيا، والواقعة تحت الاحتلال.

لا تتوقف الازدواجية عند شرطة الحكومات، بل تشمل الرأي العام. فلو أن إسبانيا أو فرنسا (لننسَ أميركا هنا) فعلت ذلك بلاجئين من العرب والمسلمين، لما تخلفت نقابة ولا حزب ولا محل بقالة عن إصدار بيانات التنديد والشجب، مذكرة بالماضي الاستعماري!

تظل الدماء، كل الدماء، عند الله غالية, ومن قتل نفسا… فكأنما قتل الناس جميعا.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : العراق | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر