نحن و"العلمانية الغربية"

كتبهاياســــر أبو هلالة... ، في 17 كانون الأول 2005 الساعة: 16:56 م

كما ينظر الغرب إلى الإسلام بصورة منمطة تتخيله كما يراد له، لا كما هو. فثمة صورة معاكسة من جانب الإسلام. والصور النمطية لا يرسمها “فنان” واحد بل هي ثمرة مزيج هائل من الألوان التي “أبدعها” تراكم خبرات في البحث والتأليف والإعلام المباشر وغير المباشر والسينما والأدب وغيرها من الفنون المتخصصة في بناء مخيلة الناس.

 فصورة الغرب لها صورتان أساسيتان تتفرع منهما باقي الصور، فالأكثرية المعادية له تراه كتلة واحدة تشن حربا صليبية على الإسلام، حربا شاملة اقتصاديا وثقافيا وسياسيا وعسكريا وأمنيا. فهو الذي من مزق العالم الإسلامي ونهب ثرواته واحتله بقواعد عسكرية وبعد انتصاره العسكري والاقتصادي، يريد بالعولمة ليسلب الناس هويتهم ويبدل دينهم ولغتهم، وفي حمأة حرب شاملة لا يرد الصائل إلا بحرب شاملة ترد العدوان بمثله.

الصورة(هذه) تشكل من خيال من تشاهدهم في زحمة الطريق، وفي المدارس المكتظة، وفي صلوات الجمع. عندما يقول الخطيب “اللهم انصر الإسلام والمسلمين” على ما يؤمن الناس؟ طبعا هذا الخطيب لا قيد أمنيا له ولا ينوي تفجير نفسه لكن مغزى دعائه يقوم على أن ثمة معركة مستعرة فيها مهزوم ومنتصر، وهو والمصلون كافة يرجون الله أن يكون النصر لأمة الإسلام على الغرب الذي شن عليها حربا شاملة.

ثمة قلة آخرون لا يرون الناس ولا تراهم، ولا يتواصلون معهم إلا وفق أحكام الجغرافيا التي تفرض تواجدهم على نفس الأرض. لا يؤمنون إن دعا على الغرب، فصورته عندهم على عكس صورته عند الأكثرية، والود ودهم لو تبدلت الأرض غير الأرض فكانوا في لندن أو باريس أو واشنطن. فبلاد الإسلام ما هي إلى أرض يباب لا ينبت فيها غير الجهل والتخلف والانحطاط والفقر والبؤس.. وبلاد الغرب على العكس من ذلك وخروجهم إليها انتقال من الظلمات إلى النور.

الانبهار في الغرب والذوبان فيه يختصره كله في عنصر واحد، فباريس هي لندن وواشنطن تماما كما أن العداء له يختصره في عنصر واحد. والعنصر الواحد مطلق معزول عن التاريخ، منزه عن أخطاء البشر أو شيطان مجبول على الخطأ. من أصعب الحروب حروب الصور، كيف يمكن أن تغير مخيلة الغربيين مقابل تغيير مخيلة المسلمين، بحيث تكون صورتهم واقعية ودقيقة لا منمطة.

في تفكيك الصورة يمكن التمييز بين باريس وواشنطن، فباريس سياسيا أقرب إلى المسلمين في قضاياهم العادلة في فلسطين والعراق، لكنها أبعد ما تكون منهم ثقافيا كما تبدى ذلك في أزمة الحجاب. في المقابل ظلت الولايات المتحدة على العكس فهي تدعم إسرائيل وتحتل العراق بعد حصاره، لكن لا مشكلة لها مع الحجاب، وتتعامل بمنتهى الاحترام مع الخصوصيات الثقافية. البلدان علمانيان لكن علمانيتهما مختلفة منشأ ومسارا ومآلا.

علمانية فرنسا قامت على صدام دام مع الكنيسة، وفي الثورة الفرنسية ذبح أكثر من ألفي قسيس، أما أميركا فقد أسسها الهاربون بدينهم من المنشقين على الكنيسة. وفي كل بلد غربي علمانيته الخاصة. ومن يتابع موقف الجمهوريين في أميركا من مواضيع الإجهاض ونظرية دارون وأبحاث الخلايا الجذعية لا يجدها تختلف عن مواقف الحركات الإسلامية.

 في عالم الإسلام تعاملت الأكثرية مع العلمانية بوصفها منتجا مسموما من منتجات الغرب. مقابل أقلية اعتبرتها ترياقا لكل العلل والأمراض حاولت فرضها بالنار والحديد. لماذا ننسى أن حزب البعث حاول فرض العلمانية على مدى سنوات حكمه الخمس والثلاثين ولم ينتج عنها غير أسوأ أنماط التوتاليتارية المناقضة للإسلام؟!

لا رجال دين في الإسلام. ولا أحد يمثل الله عزوجل، فهو أنزل كتابه على البشر كافة، وهو يتكلم إليهم فيها بدون حاجة إلى وسطاء. المثقف المغربي المشهور محمد عابد الجابري له مقولة مهمة دعا فيها إلى استبدال كلمة العقلانية بالعلمانية. لأن الثانية ارتبطت باستيلاء الكنيسة على الدولة والصراع معها وحسب قوله”الإسلام ليس كنيسة حتى نفصله عن الدولة”. في”بغداد بني العباس” هل كان الخليفة ينتظر فتوى “المراجع العظام” ليقرر في شؤون الكافة؟ أما اليوم فإن بوش ينتظر تلك الفتاوى!

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر